Archive for the 'لغط القول' Category

The Love Song of J. Alfred Prufrock. T.S. Eliot. ترجمة قصيدة

“لو أنني كنت اعتقد أن جوابي سيعود للأرض، هذا اللهب سوف يتوقف عن الحركة، لكن لا أحد عاد حياً من هذا القعر، واذا كان ما سمعت حقيقة، سأجيبك بدون خوف من لهب النار” الجحيم – دانتي 27.61

 

لنمضي إذن، أنت و أنا

حينما ينتشر المساء في السماء

مثل مريض مُخدر على طاولة العمليات

لنمضي في الشوارع نصف المهجورة

مأوى الهمز واللمز

لـ ليالي الأرق في “فنادق الليلة الواحدة” الرخيصة

والمطاعم المفروشة بنشارة الخشب وأصداف المحار

الشوارع التي تتتابع مثل حجة مملة

بنواياً خبيثة

لتدفعك إلى سؤالٍ مُلح

آه، لا تسأل ما هو؟

دعنا نمض، ونقم بزيارتنا

 

في الحجرة، النساء يجئن و يذهبن

يتحدثن عن مايكل أنجلو

 

الضباب الأصفر* (المقصود بالضباب الأصفر هو الموت) الذي يحك ظهره على زجاج النافذة،

الدخان الأصفر الذي يحك أنفه على زجاج النافذة،

لعق بلسانه زوايا المساء،

تسكع فوق البرك التي تجمعت في مصارف الأمطار،

ترك السخام المتساقط من المداخن يسقط على ظهره،

إنزلق عبر الشرفة

قفز فجأة،

و عندما رأى أنها ليلة من ليالي أكتوبر الناعمة

تكور على نفسه بجوار المنزل، ونام

 

طبعاً سيكون هناك وقت

للدخان الأصفر الذي ينزلق بطول الشارع

فاركاً ظهره على زجاج النوافذ

هنالك وقت .. هنالك وقت

لتعد وجهًا (قناعاً) تقابل به الوجوه التي تقابلها؛

سيكون هنالك وقت لتقتل و تخلق،

و وقت لكل الأعمال وأيام الأيادي * ( اشارة لقصيدة الشاعر الاغريقي هيديوس)

التي ترفع سؤالاً ثم تلقيه في طبقك،

وقت لك، ووقت لي

ووقت أيضًا لمائة تردد

ولمائة تصور وتعديل

قبل تناول قطعة خبز وشاي.

 

في الحجرة، النساء يجئن و يذهبن

يتحدثن عن مايكل أنجلو

 

حتمًا هناك وقت

لأتساءل : “هل أجرؤ ؟” ، و .. “هل أجرؤ ؟“

وقت لأعود أدراجي وأهبط السلم؛

ببقعة صلعاء في منتصف شعري

[سيقولن: ياللشعره وقد بدأ يخف]

ومعطفي الصباحي وياقتي المشدودة بإحكام إلى ذقني

ربطة عنقي الأنيقة المتواضعة لكنها مثبتت بدبوس بسيط

[سيقولن: لكن ما أنحف ذراعاه و ساقاه]

هل حقا أجرؤ على إزعاج العالم؟

في الدقيقة هناك وقت

لإتخاذ القرارات والتراجع عنها

 هذا ماستعكسه دقيقة أخرى

 

ذلك لأنني قد عرفتهم جميعًا قبل هذا، عرفتهم كلهم

قد عرفت الليالي و الأصباح و الأصائل

لقد قستُ كل حياتي بملاعق القهوة

أعرف الأصوات التي تتوارى بوقع خافت

خلف الموسيقى الآتية من غرفة بعيدة

فكيف إذن أجرؤ؟

 

 

وبالفعل لقد عرفت العيون، عرفتها كلها

العيون التي تضعك في جملة محبوكة

و عندما أكون ممداً على مسمار* كما يقول العلماء المهتمين بدراسة الحشرات، يضعوهنا في ابرة تحت المجهر

عندما أكون مسماراً متلويا على الحائط

كيف إذن أبدأ

في بصق كل النهايات الخرقاء لطرقي و أيامي ؟

و كيف قد أجرؤ ؟

 

وبالفعل، لقد عرفت الأذرع، عرفتها كلها

أذرع على سوار،  بيضاء و ناعمة

(لكن تحت ضوء المصباح تكون مكسوة بزغب بني خفيف)

أهو عطر من فستان

هذا الذي يجعلني أستطرد؟

أذرع تتمدد على الطاولة، أو تلتف حول شال

و هل ينبغي لي أن أجرؤ الآن؟

و كيف تراني قد أبدأ؟

 

أينبغي أن أقول : أنني مشيت خلال عتمة الليل في الشوارع الضيقة

وشاهدت الدخان المتصاعد من غلايين الرجال الوحيدين

مشمري الأكمام، و هم يطلون من النوافذ

كان يجدر بي أن أكون زوج من المخالب الثائرة

يخمش في قيعان بحار الصمت

 

و في الأصيل، المساء، ينام في غاية الهدوء

ممهد بأصابع طوال

نائم .. تعِب، أو أنه متمارض

ممدد على الأرض هنا بجوارك، و بجواري

 

أيجب عليَ بعد الشاي، و الكعك، و قطع الثلج

أن أتحلى بالقوة لدفع اللحظة إلى لحظتها الحرجة؟

لكن .. و برغم أني قد بكيت و صُمت، بكيت و صليت

برغم أني قد رأيت رأسي (الآخذ في الصلع) مجلوبا على طبق

فأنا لست نبيا، وهذا ليس أمراً عظيماً

فلقد رأيت لحظات مجدي تتألق

و لقد رأيت “ذو الأقدام الضخمة” الأبدي يحمل معطفي و حذائي

و للحظة إرتعبت.

 

و هل ترى الأمر كان يستحق بعد كل هذا؟

بعد الفناجين، و المربى، و الشاي

بين أطقم البورسلين، وحديثا بيني وبينك

أتراه كان يستحق و لو قليلاً

أن تقاطع الحديث بابتسامة

أن تضغط العالم كله في كرة

لتدحرجها بتجاه سؤال ملحاح

لتقول : “أنا لازاروس* – قادم إليكم من عالم الأموات –

رجعت لأخبركم بكل شيء، يجب أن أخبركم عن كل شيء” – لازاروس احد الصالحن الذين أعادهم عيسى عليه السلام بعد موته بأربعة أيام

إن كانت واحدة متستندة برأسها إلى وسادة

يجب أن تقول: ” ليس هذا ما قصدته على الأطلاق ليس هذا على الأطلاق “

 

و هل ترى الأمر كان يستحق بعد كل هذا

أتراه كان يستحق ولو قليلا

بعد لحظات الغروب ، و أفنية المنازل ، و الشوارع المرشوشة

بعد الروايات ، بعد فناجين الشاي ، بعد التنانير التي تخلف أثراً  على الأرض

بعد هذا كله و غيره الكثير؟

إنه يستحيل أن أقول بالتحديد ما أعنيه !

إلا كما يلقي فانوس سحري بأشكاله في الظل التي يصنعها على الشاشة:

هل كان يستحق؟

ولو أن واحدة متستندة إلى و سادة أو ملتفة بشال

وتستدير إلى النافذة، إنها يجب أن تقول:

” هذا ليس المقصود أبداً،

ليس هذا ما قصدته، على الإطلاق “

 

لا ! .. أنا لست بالأمير “هاملت” و لا ينبغي لي أن أكون

ما أنا إلا لورد من حاشيته، لورد يفي بالغرض

ليحرز تقدماً، يبدأ مشهداً أو مشهدين

يُشير على الأمير – طبعاً-  سهل الانقياد

محترم،  سعيد كونه نافعاً للآخرين

سياسي، حذر، دقيق

يتحدث بعلو وكبرياء، لكن يصعب فهمه بعض الشيء،

أحياناً – أو في الغالب-  يكون سخيفاً

وفي الغالب – أو أحياناً- يكون المهرج

 

أني أشيخ .. أشيخ

وسأرتدي بنطالي مُشمراً عن أطرافه

 

أيجب أن أُسرح شعري إلى الخلف، اأجروء على أكل خوخه ؟

ربما يجب أن أرتدي بنطالأ أبيض مغري، و أمشى على الشاطيء

لقد سمعت عرائس البحر يغنين، واحدة لأخرى

 

ولا أعتقد أنهن سيغنين لي

 

من ناحية البحر، رأيتهن راكباتٍ الأمواج

يمشطن الشعر الأبيض للموج الطائر للخلف

عندما الرياح تفجر المياه البيضاء و السمراء.

 

لقد تسكعنا من قبل في غرف البحر

بجوار بنات البحر المكللات بالأعشاب البحرية الحمراء و البنية

إلى أن أيقضتنا الأصوات البشرية  وغرقنا

bodies upon the gears

“There’s a time when the operation of the machine becomes so odious—makes you so sick at heart—that you can’t take part. You can’t even passively take part. And you’ve got to put your bodies upon the gears and upon the wheels, upon the levers, upon all the apparatus, and you’ve got to make it stop. And you’ve got to indicate to the people who run it, to the people who own it, that unless you’re free, the machine will be prevented from working at all.”

هناك وقت يكون فيه عمل الآلة بغيض. يجعلكم تشعرون بالقهر في قلوبكم، لا تستطيعون أن تتقدموا من أجل إصلاحها، أو إفسادها. وعليكم أن  تضعوا أجسادكم أمام التروس وأمام العجلات وأمام الدعامات، وأمام الجهاز نفسه. عليكم أن تجعلوها تتوقف وتخبروا القائمين عليها ومالكيها أنه طالما أنكم لستوا أحراراً فإن هذه الآلة لن يُسمح لها بالعمل

صحابة هذا الزمان

آل سعود صحابة هذا الزمن

سبحان الله القادر على كل شيء.

في مقالة الأستاذ خالد الفارس المنشورة في جريدته صوت الشعب! – الجريدة التي رسالتها الخبر بدون تحيز !! – والتي جعل آل سعود صحابة هذا الزمان ولهم الفضل في بناء الوطن ورفاهية المواطن وكل شيء. لم يخطر بباله أبداً التضحيات التي قام بها آبائنا وأجدادنا من أجل هذه الأرض التي لنا فيها الحق مثلما لآل سعود متشاركين متساوين في الحقوق.

لا أعلم كيف يكون رئيس تحرير موقع إلكتروني بهذا الفكر الضحل والسخافة المتناهية ويرمي شقاء وجهد 27 مليون مواطن ساهموا في بناء هذا البلد في سلة المهملات وينسبها للأسرة الحاكمة. ويجعل كل شركة ومدرسة  وطريق معبد منسوب لجهد الأسرة الحاكمة وفضلها على المواطن الذي لا يقدم ولا يؤخر في نظر الفارس! فنحن في عيني الفارس نائمون في بيوتنا ولا نفعل أي شيء.

هذا الأعمال الجبارة التي قامت بها الدولة هي من أموال النفط الذي تصب عائداته في بيت مال المسلمين وليس في بيت آل سعود ويصرفونه على من يشائون. وإن كان الملك عبدالله حفظه الله قد أمر بكل هذه المشاريع الجبارة التي ستكون حجر الأساس في تنمية البلد وجعل وطننا مصدر فخر في المستقبل فليس هذا تكرماً منه ولا منّة. إنه واجبه وحق عليه حين أصبح ملكاً وبايعناه على أن يكون ولي أمر هذه البلد ورأسها. أقول أن هذه المشاريع والأعمال بنيت على أكتاف مواطنين شرفاء بعرقهم ووطنيتهم وأحلامهم بالمستقبل الباهر لهم ولأبنائهم، بحب الأرض الذي لا أعرف كيف يفهم من هم على شاكلة الفارس وشلة النفاق الإعلامي.

ولا تأخذوا كلامي بسوء فهم، ففي رقبتي بيعة للملك عبدالله وولي عهد نايف، بيعة لا أتنصل منها ولنا في عليهم أن يحكمونا بشرع الله ويديرون هذه الأرض بما يحقق العدالة و الرفاهية للمواطن ويحسنوا استخدام موارده يكونوا أمنا يراعون الله في حكمهم. وهم مسئولون أمامنا عن كل عمل يقومون به.

الملك لا يفعل كل هذا لوحده، إنه المواطن السعودي الذي يكدح ويضحي من أجل بناء الوطن وتنفيذ الأوامر الملكية.

هذه المقالة التي تفضح الفهم الخاطئ للوطنية والجهل التام بالحرية والفهم الضعيف لحقوق المواطن على الملك وحقوق الملك على المواطن. لكن العيب الأكبر فيها هو هذا التملق والتزلف.

سبحان الله

بطل لوس أنجلس

Shervin Lalezary

قبل أيام تمكن شرطي أمريكي في مدينة لوس أنجليس من إلقاء القبض على مفتعل الحرائق الذي روع أهالي ضاحية هوليود لأكثر من شهر بـ 35 حريقاً توفى جراءها طفلة وأكثر من 50 سيارة. كان خبراً مفرحاً، تقول الرواية الرسمية أن الشرطي شيرفين ليليزاريا تمكن من إلقاء القبض على المشتبه به في الثالثة فجراً. وطوال الأسبوع التالي تلقى هذا الشرطي تكريماً وحل ضيفاً على أكثر من برنامج – منها برنامج إلين ديجينيريس الشهير. هذا الشيء فعلاً حيرني كثيراً.

الرجل صادفه الحظ في أن يجد سيارة المشتبه به في طريق عودته لمركز الشرطة وألقى القبض عليه. لا شيء مميز لا فعل بطولي ولا يحزنون. لكن الحقيقة أن هذا الشرطي الذي يعمل نائب شريف إحتياطي منذ أربع سنوات يوماً واحد في الأسبوع مقابل دولار واحد في السنة.

أقول أنه يستلم 1 دولار في السنة كاملة. دولار واحد لا يكيفيه ليشتري كوب من القهوة ولا يكفي لأي شيء بأي مقاييس يمكن أن تتخذها، إلا إذا إنتظر طوال هذه الأربع سنوات من العمل ليشتري كوب قهوة واحد من ستار بكوس.

هذه الروح الوطنية – إن أردتم أن أصفها لكم بكل النعوت والكلمات الجميلة التي تتردد على صفحات جرائدنا وأحاديث المهتمين بالوطنأعني هذا الشخص إقتطع 12 ساعة من إسبوعه لمدة أربعة أعوام من أجل أن يخدم مجتمعه وأهالي مدينته مقابل دولار واحد في السنة. سبحان الله.

قبل أن يمر علي هذا الخبر، كان هناك خبر عن المغني المراهق جستن بيبر، الذي تبرع بعائدات عطره للأعمال الخيرية وتبرع بـ 200 ألف دولار لمدرسة أبناء المشردين. ومشروع الممثل الشهير براد بيت في توفير السكن لمتضرري إعصار كاترينا في مدينة نيو أورنيلينز. في مقابل التبرع الذي قامت به إدارة النصر السعودي لجمعية الأطفال المعاقين في المدينة المنورة ونسيت أن تعطيهم المبلغ !

هذه الثقافة التي توشك أن تكون معدومة في مجتمعنا تحتاج إلى ثورة فكرية وإجتماعية. لا يعقل أن نربي الأجيال أن التصدق على الفقراء والمحتاجين يكون بالمال فقط. الأموال لا تحل أي شيء. هذا الفكر المضعيف سيجعل الأجيال القادمة بشرُ ماديّ يعتقدون أن المال هو الحل لكل معضلة.

عدد الجمعيات الخيرية بالمملكة بكل أنواعها لا تتعدى 591 حسب موقع وزارة الشؤون الأجتماعية بينما في مدينة دالاس – في ولاية تكساس هناك 789 جمعية خيرية ! وليس الكم هو الفارق الوحيد هنا. إنها الثقافة التي يتربى عليها الأطفال في هذه المدينة. إبتداءا من برنامج الفتيات ” girl scout cookies“ الذي يدفع بالفتيات إلى بيع البساكيت والحلويات ثم إستخدام العائدات في برامج تهتم بالفتيات وإنشاء البرامج التعليمية من أجل تأمين مستقبل مشرق لهم داخل مجتمعاتهم. وإنتهاءا بجمعية “Meals on Wheels” الذي يُعنى بكبار السن الذين لا يعتني بهم أحد ويقوم بتوفير وإيصال الثلاث وجبات الرئيسية لهم. – كان لي الشرف أن أكون متطوعاً في هذا البرنامج لمدة شهر كامل.

هذا الإختلاف الكبير بين ثقافتينا مخجل ومخزي أكثر من بهو ماريوت وهذا الزعاق حول قضايا تخص تيارات معينة يضيع فيها الانسان السعودي البسيط ولا يستفيد شيئاً. يتكلم مثقفونا عن بناء الوطن وكل المصطلحات الكبيرة التي لانفهمها وينسون أن التغيير والبناء يكون من الفرد أولاً

جزيرة القيامة

لغز جزيرة القيامة

جزيرة القيامة أو العيد كما أطلق عليها المكتشفون البرتغال، هي جزيرة مثلثة الشكل تقع في المحيط الهادي في الغرب من جمهورية تشيلي بحوالي 2600 كيلو. هذه الجزيرة التي تحيط بسواحلها تماثيل “المواي”. هذه التماثيل الحجرية العملاقة ذات الهيئة البشرية وضعها السكان الأصليون مولية أدبارها للبحر ومقبلة بوجوهها إلى الجزيرة.

هذه التماثيل كلها متشابهة وتتشارك في نفس التفاصيل. يصفها المتحف البريطاني بأنها ذات حواجب ثقيلة وآذان متضخمة وفتحات أنف بيضاوية الشكل، كما أن عظام الترقوة بارزة، وكذلك الحلمات. وتتميز الأذرع بأنها رفيعة ومضمومة إلى الجسد، أما الأيدي فتكاد تكون غير ظاهرة. وتتراوح أوزانها بين أربعة أطنان للتماثيل الصغيرة و50 طناً للتماثيل الكبيرة وبإرتفاع 32 متراً

اللغز الذي حير علماء الآثار هو كيف تم نقل هذه التماثيل التي نحتت في جبل بركان في أبعد نقطة في الجزيرة إلى أن تكون على سواحل الجزيزة كأنها حراس؟!

إن أول شيء ما لاحظه المكتشفون البرتغال هو إنعدام وجود الأشجار في الجزيرة. وهو الأمر الذي خلق الكثير من الأساطير حول إنتقال هذه التماثيل وطريقة نحتها. حيث مازالت هناك إسطورة محلية في الجزيرة أن مخلوقات فضائية هي التي نحتت ونقلت هذه التماثيل. وهذا أمر يخضع لنقاش وجماهيرية كبيرة لدى المؤمنين بالمخلوقات الفضائية. حيث لا تفسير لطريقة نقل هذه التماثيل العملاقة إلا بتدخل قوى خارجية تفوق القدرات البشرية المحدودة. ودعم هذا التأويل هو أنه لا وجود لأشجار تساعد في عملية نقل التماثيل.

إن الله يمهل ولايهمل.

أثبتت الدراسات الأثرية أن التماثيل بدأت في الظهور في حدود الألف السنة الأولى الميلادية. وأن الجزيرة في ذلك الوقت كان بها أكثر من 21 نوعا من الأشجار، خاصة النخيل. ويكثر بها الطيور والأسماك ولديها إكتفاء غذائي ذاتي لكن في القرن الخامس عشر 1600 حدثة كارثة في هذه الجزيرة. ولمحت هذه الدراسة إلى إنتشار مجاعة وتصحر دفع الناس إلى أكل موتاهم وربما أحيائهم أيضاً.

سكانها الأصليون، إنقرضوا الآن، كانوا يقومون بقطع الأشجار من أجل إستخدامها في نقل تماثيلهم على إمتداد 600 سنة متواصلة. هذا الإخلال بالتوازن البيئي أضر بمحاصيلهم الزراعية، ودفع الطيور إلى الهجرة بأعداد كبيرة من الجزيرة. شيئاً فشيئاً إلى قطعوا آخر شجرة في الجزيرة. الطيور هربت وهي التي تساعد الأشجار في نقل البذور مقابل أن تأكل ثمارها. هذا الخلل الذي أحدث القطع الجائر للأشجار لم يترك مجالاً أمام الطيور إلا أن تهرب وتهاجر إلى مناطق أخرى. هذا بحد ذاتها كان له تأثير غير مباشر على الثورة السمكية التي أصبحت الوحيدة المتبقية لتسد جوع أهالي الجزيرة.

شيئاً فشيئاً لم يتبق للسكان الأصليين إلى أن يجابهوا مجاعة وجفافاً وتصحر هم المتسببين فيه. لم يرسل عليهم الله ملائكته لتعاقبهم لكن جعل عقابهم بأيديهم عندما أخلوا التوازن البيئي وقطعوا الأشجار

رُوي عن علي بن أبي طالب عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
قال: «أكرموا عمتكم النخلة فإنها خُلقت من فضلة طينة أبيكم آدم، وليس من الشجر شجرة تلقح غيرها، وليس من الشجر شجرة أكرم على اللَّه من شجرة ولدت تحتها مريم بنت عمران، فأطعموا نساءكم الوُلَّد الرُّطب، فإن لم يكن الرطب فالتمر»

Blue Valentine

لم نصل إلى القاع حتى الآن

هذه العبارة التي تعبر عن المائة دقيقة من الفلم وتترك لك الإثنى عشر دقيقة المتبقية لترتطم بالقاع. أعني قاع النهاية في الزواج والعلاقة العاطفية. أن تشاهد زواجاً إستمر لعقد كامل ينتهي في عطلة الإسبوع. إنه فلم فلانتاين الأزرق من بطولة النجم الصاعد بقوة خلال العامين الماضيين ريان قوزلن” – بطل فلم The notebook- والممثلة ميشيل ويلييمز – إم طفلة الراحل هيث ليدجرز الوحيدة.

الفيلم يعتمد على تقنية الفلاش باك في سرد قصة الحب بين الإثنين. وتطور علاقتهما من حملها من رجل آخر إلى إنقاذها على يد ريان وزواجه منها. ثم العيش في حياة رتيبة ومملة طيلة عشر سنوات الحدث الوحيد فيها هو ابنتهم. أعني أنهم وصلوا إلى مرحلة يعرف كلاهما أن زواجهم سينتهي أو إنتهى فعلاً، أهاليهم يعرفون لكن لا أحد يملك الشجاعة ليقولها.

 Falling in Love

لطالما كان تساؤل يقتلني كيف يموت الحب أو كيف ينتهي الزواج؟

شاهدت الفلم في دور السينما حين عرضه وشاهدته مرة أخرى حين صدر في أقراص دي في دي. بالمناسبة الفلم ليس مناسب لمن هم دون الثامنة عشرة. ولم يزل الأداء القوي الذي يمتعك به بطلي الفلم يحاصرني. ميشيل ترشحت للأوسكار وقوزلن ترشح للقولدن قلوبز. ميشيل بشخصيتها المعطوبة والباحثة عن الحب، الممرضة الأم التي تربي ابنتها وزوجها في نفس الوقت. وقوزلن بشخصية الفتى الساذج والمحبط الذي يستيقظ صباحاً على سيجارة وبيرة ويعمل صباغاً بعد أن توقف عن الرسم.

من مقابلة على إذاعة -NPR- صرحت ميشيل أن المخرج ديريك إشترط عليهم أن يقيموا في شقة صغيرة في إحدى ضواحي نيويورك وبمصروف يتناسب مع شخصياتهم في الفيلم وبدون أجهزة إلكترونية لمدة شهر ويفتعلوا المشاكل مع بعضهم البعض بأي شكل من الأشكال. حيث إنتقلوا بعد أن الإنتهاء من تصوير فترة الوقوع في الحب بثلاث أسابيع. المخرج هو نفسه الكاتب، قضى 12 سنة في كتابة الفلم في 67 مسودة. وحين تم التصوير طلب من البطلين أن يحسنوا على حوارهم. قازولين لم يمانع أبداً إلى درجة أنه أضاف مشهد كامل في الفلم. وهو مشهد جسر بروكلين عندما هدد حبيبته بالإنتحار.

الإخراج الفاتن وضع ديريك كيانفرانس في خارطة أكثر المخرجين الجدد المتوقع منهم الكثير. بالمناسبة لديه فيلم آخر في الطريق مع ريان قوزلن

لقمان ديركي: الهجرة الأخيرة

سنهاجر من البلاد أيتها الأنظمة الجميلة
سنأخذ أطفالنا وآبائنا وأمهاتنا بعيداً عن مسقط الرأس
ولن نشعر بالحنين إلى شيء
سننسى رائحة ترابنا وبيوتنا
سننسى الشوارع التي كنا نتسكع فيها
سننسى قصص حبنا وصداقاتنا
سننسى الصفعات والإعتقالات الغريبة
سننسى الأغاني
والقصائد
ونمضي
سننسى نظراتكم الوقحة إلى نسائنا الجميلات
واضطراركم لحجزنا في السجون
سننسى بحثنا الفظيع عن الحرية
ولن تسقط دمعة منكم على رحيلنا
بل إنكم ستسعدون، ولكن فجأة ستعضون اصابعكم ندما لأنكم لم تحافظوا
علينا
فمن سيشتري منتجاتكم بعد الآن
من سيدخل إلى مطاعمكم
ومن سينام في فنادقكم
من سيستعمل خدمات هاتفكم
من سيتجول في حدائقكم
ومن سيحدث أصدقائه عبر موبايلكم
ويرسل رسائل التضامن إلى إخوته في الصمود
من سيرسل أبناءه إلى مدارسكم
ومن سيسبح في بحاركم
من سيصلي في مساجدكم وكنائسكم
من سيهتف في ملاعبكم
ويصمت في برلماناتكم
من سيشتري خبزكم
ويقف أمام زحام أفرانكم
من سيشترك في خدمات أنترنتكم
من سيقرأ جرائدكم
ويتفرج على تلفزيوناتكم
سننسى كل شيء
ولكننا سنتذكر فقط بأن الوطن لم يكن وطناً
كان مجرد سوبر ماركت كبير
وأننا فيه لم نكن مواطنين أبداً
وإنما مجرد زبائن 

الكتابة كما يشتهيها جوزيف كونراد

نوم بعد مشقة ، ومرفئ بعد عاصفة ، ويسر بعد حرب ، وموت بعد حياة . تجلب أعظم السرور “.

هذه الكلمات تعتلي قبر الكاتب الأنجليزي جوزيف كونراد المتوفي في عام 1924 م. الكلمات التي ختم بها إحدى أواخر أعماله وطلب أن تكون على ناصية قبره.
جوزيف كونراد، من أعظم كتاب القرن العشرين والكاتب الوحيد الذي له 3 روايات في قائمة أعظم 100 رواية في القرن العشرين، شخصية فذة ومكافحة؛ إختار البحر وسرقته منها الكتابة. هذا ليس كل شيء. جوزيف كونراد الكاتب البريطاني ذو الأصول البولندية لم تكن اللغة الأنجليزية لغته الأم ولا لغته الثانية، لكنها اللغة الثالثة التي تعلمها في منتصف العشرينات من عمره ولم يمارس الكتابة إلا عندما أتم الثلاثين عاماً بقليل. إختار الكتابة بهذه اللغة الغريبة عنه ليصبح أكثر الكتاب تأثيراً في الحركة الحداثية في الأدب الأنجليزي قُبيل الحرب العالمية الأولى وليكون كاتباً تفوق على جميع كتاب جيله بخمس روايات تعتبر من الأعمال الخالدة في اللغة الأنجليزية التي تُدرس لطلاب الأدب الأنجليزي في أمريكا وبريطانيا، ثلاث منها من أعظم 100 رواية. هذا شيء يدفعك للتأمل حقاً. إنها معجزة بحق.

بدأ حياته بحاراً في الأسطول التجاري الفرنسي وهو ابن السادسة عشر ربيعاً في مدينة مارسيليا، بعد أن هُجر والديه من بولندا المستعمرة من قبل روسيا القيصرية إلى أوكرانيا وهو في الثالثة من عمره، تعلم الفرنسية في البحر، ثم إنتقل إلى الأسطول التجاري البريطاني بعد إصابته بطلق ناري كاد أن يودي بحياته. أمضى وقته في القراءة وسبر أغوار اللغة الأنجليزية على متن السُفن.

إنه الكاتب الذي يكتب “لمن لا صوت لهم”، تميزت كتاباتها بتعرية المستعمر الأوروبي وجشعه من أجل المال والسلطة والعراقيل التي تكون أمامه. بشخصيات تضحي بكل شيء من أجل المُثل العليا والمباديء. كتب عن البحر كما لم يكتب أحد آخر عنه. كتب عن الانسان وطموحاته وخيباته وكفاحه من أجل المباديء والبحث عن الإستقلالية والعيش بكرامة.

طريقته في الكتابة تميزت بحرصه على إختار الألفاظ الدقيقة في وصف الحدث، الحركة والإنفعال. ربما أنه يعود إلى أنه يتحدث أكثر من لغة فإختياره للفظ يكون بهذه الدقة المنتاهية. فمثلا بدلاً من أن يكتب: أحمد ذهب إلى السوق، يجعل الجملة أكثر دقة في وصف هذا الحدث البسيط إلى أحمد ذهب إلى السوق ماشياً أو مشى إلى السوق. وربما يكون أكثر دقة في وصفه إلى درجة أن يصف كيف كان أحمد يمشي، متخبطاً سريعاً ببطأ وهلمجرا.

الخاصية الثانية كثرة إستخدامة للنعوت حين يتطرق إلى تحليل الحدث بكل تفاصيله مما لا يدع مجالاً للقاريء بأن يخمن المجهول. قال عنه الكاتب البريطاني العظيم فورد مادوكس فورد أن كونراد حين يقوم بوصف حادثة قتل فإنه سيأخذك إلى أسبابها وعلاقة القاتل بالمقتول. سينتقل بك معه إلى الطريقة التي حصلت بها الجريمة وكيف طعن القاتل القتيل، وبأي يد كان يمسكها، وحدت السكين وشكلها وصانعها. وربما أنه يعود بك للوراء إلى الوقت الذي إشترى فيه القاتل السكين وشخصيته المضطربة والتي أثارت الشك في البائع. وما الذي دفع البائع إلى تجاوز شكوكه ليبيع هذه السكين له. وربما أنه يعود بنا إلى البائع وحالته المادية ومشاوراته مع العاملين معه حول بيع هذه السكين. إنتهى كلامه بتصرف كبير. جوزيف كونراد يحلل ويتعمق في الحدث بكل تفاصيله وحذافيره من أجل أن يقنع القاريء بما يكتبه. إنه من النوع من الكتاب الذين يحترمون القراء بشكل كبير ولا يدعون ثغرة واحدة في نصوصه تقع في دائرة الشك.

جوزيف كونراد لم يتخذ الكتابة عملاً أو هواية، لكنها كانت حياته التي أختارها. إنه شخص متفاني جداً في حبه للكتابة إلى الدرجة التي كان يجعل زوجته تغلق عليه باب مكتبه في الصباح والمساء ولا تفتح الباب إلا من أجل تناول وجبتي الغداء والعشاء ثم الذهاب إلى النوم. هذه الشخصية العظيم لا يمكن تجاهل مدى تفانيها وإخلاصها من أجل الكتابة الأدبية الإبداعية برغم أنه عاش فقيراً ولم يحضى بنصيب من الشهرة إلى في أواخر عمره. حيث كانت رواياته تناقش قضايا انسانية عميقة وتهاجم الإمبريالية الأوروبية وحب المال والتسلط وإستغلالها للشعوب الأخرى ونهب أموالها وممتلكاتها.

إنه يكتب كما لو أنه ينحت على الصخر، تقول أحدى الروايات التي ذكرتها زوجته أنه أمضى يوم كامل يراجع جملة واحد في رواية نوسترومو، لم يكن يراجعها من أجل تركيب الجملة أو كلماتها لكن من أجل الفاصلة. تقول زوجته أنه حذف الفاصلة في الصباح وأعادها في المساء. أو كما تقول الحكاية أنه في أحد الأيام سألته على وجبة الغداء ماذا فعلت اليوم فقال “حذفت فاصلة” بعد ذلك سألته على طعام العشاء ماذا فعلت فقال “أعدت الفاصلة”.

أهم رواياته :
ـ قلب الظلام

زنجي السفينة نرجس ـ 1897م.
ـ لورد جيم ـ 1900 م .
ـ نوسترومو ـ 1904 م.
ـ العميل السري ـ 1907 م .
ـ تحت عيون الغرب ـ 1911 م .
ـ الصدفة ـ 1913 م .
ـ النصر ـ 1915 م .
ومن مجموعاته القصصية :
ـ الشباب وقصتان أخريان 1902 م.
ـ العاصفة وقصص أخري 1903م .
ومن أعماله النثرية :
ـ سجل شخصي 1912 م.
ـ مذكرات عن الحياة والأدب 1921م .

أوفيليا

أوفيليا هي حبيبة هاملت والتي أصابها الجنون في القصة المشهورة لشكسبير. كتب الشاعر الكبير آرثر رامبو هذه القصيدة  تخليداً لها. هناك ترجمتين للقصيدة من الفرنسية على يد الأستاذ نضال نجار في موقع أدب، هناك شيء جعلني لا أستصيغها. وجدت هذه الترجمة لكاتب مغربي على مدونته مع تحليل ورحلة في تفاصيل القصيدة وترجمته لها.

أترك لكم القصيدة


في الموجة الهادئة التي تنام فيها النجوم
تطفو أوفيليا البيضاء مثل زنبقة عظيمة
تطفو ببطء شديد، راقدة في أشرعتها الطويلة
تسمع في الغابات النائية نفخات أبواق الصيد.
مضى أكثر من ألف عام وأوفيليا الحزينة
تمر، شبحا أبيض، عبر النهر الأسود
مضى أكثر من ألف عام وجنونها اللطيف
يهمهم بأغنية غرامية حين هبوب نسيم المساء.
يقبل الريح نهديها وينشر في تويجهما
أشرعته الكبيرة يهد هدها الماء بارتخاء؛ تنوح أكاليل الحداد المرتعشة على كتفها،
على جبهتها الحالمة تميل قضبان القصب.
يتنهد نبات النيلوفر المتجعد حواليها؛
أوفيليا تسهر أحيانا، في مغث ينام –
عش ما، تفر منه رعشة صغيرة من جناح
-أغنية مفعمة بالأسرار تسقط نجوما من ذهب.

-2-
أيا أوفيليا الباهته! أيتها الرائعة كالثلج بياضا !
أجل قدمت، صغيرة، بواسطة نهر سريع الغضب !
ذلك أن الرياح تسقط جبال النرويج الهائلة
وكانت قد همست إليك بالحرية القاسية؛
لأن نسمة ما، تفتل جديلتك الطويلة،
وإلى روحك كانت تحمل أصواتا غريبة؛
مع أن قلبك ظل يصغي إلى أنشودة الطبيعة
في شكاوى الشجر وتنهدات الليالي؛
لأن صوت البحار المجنونة، والصخب البالغ،
ظل ينهك صدرك الطفولي المفعم بالإنسانية والرقة،
ولأنه ذات صباح من أبريل، جلس فارس همام،
شاحب اللون، مجنون فقير، جلس صامتا فوق ركبتيك !
أيتها السماء ! أيها الحب ! أيتها الحرية ! يا للحلم، أيتها المجنونة البئيسة !
مازلت تذوبين للحبيب مثل ثلج على النار:
خيالاتك الواسعة تخنق كلامك
عينك الزرقاء يروعها الخوف اللامنتهي !
-4-
-والشاعر يقول إنك تبحثين منذ قليل،
أثناء الليل عن الزهور التي قطفتها لاشعة النجوم؛
والتي رأت على الماء، راقدة في أشرعتها الطويلة،
أوفيليا البيضاء تطفو، مثل زنبقة عظيمة.

*ترجمة: محمد الإحسايني

أوفيليا هي حبيبة هاملت والتي أصابها الجنون في القصة المشهورة لشكسبير. كتب الشاعر الكبير آرثر رامبو هذه القصيدة  تخليداً لها. هناك ترجمتين للقصيدة من الفرنسية على يد الأستاذ نضال نجار في موقع أدب، هناك شيء جعلني لا أستصيغها. وجدت هذه الترجمة لكاتب مغربي على مدونته مع تحليل ورحلة في تفاصيل القصيدة وترجمته لها.

الحارس في حقل الشوفان

هناك رواية تخاطبك. رواية تقرأها وترافقك. تصاحبك فعلياً. تصاحب مخيلتك وتفكيرك. هناك رواية تقول عنها “يالله”. أقصد رواية تعيد قرائتها لأكثر من مرة وتحتفظ بها. ليس في مكتبتك لكن تضعها ضمن أُمهات الكتب التي تعيد قرائتها دائماً. تعود إليها وتحملها بين يديك مثل طفل رضيع. أعني أن تنظر إلى الرواية وتقول بينك وبين نفسك هذه روايتي بصوت خافت. هذه كُتبت لي. هذه ملك خاص بي. هذه الراوية تمثلني. تتصفحها مرة أخرى وتقرأ فيها لتجد مخرجاً من صخب الحياة ثم تضعها بجانب سريرك. ربما أنك تقول في قرارة نفسك أنني أهذي وأتكلم عن كتاب لا وجود له. لكنني أخبرك الحقيقة الآن! منذ المرة الأولى التي قرأت فيها هذه الرواية وأنا متيقن تماماً أنني وجدت الكتاب الذي أبحث عنه- هذا الشعور لا يعرفه إلا قاريء نهم. وأصبحت مهووساً بكاتبها جي دي سالينجر – J D Salinger- كان هذا في شتاء 2009 عندما تعرفت على هذه الرواية لأول مرة.رواية “الحارس في حقل الشوفان”. الرواية التي صُنفت ضمن قائمة أفضل 100 رواية في الأدب الأنجليزي الحديث وأهم الأعمال في القرن العشرين ومن أكثر الروايات تأثيراً في المجتمع الأمريكي. أعني أن الشباب الأمريكان المعارضين للحرب على فيتنام في الستينات كانو يرفعون لافتات تقول” أنا هولدن كولفيلد” هولدن الشخصية الرئيسية في الرواية.
نصحني بها أحد الأصدقاء. قرأتها في ليلة واحدة، إلتهمتها مثل وجبة شهية من مطبخ أمي العزيزة. قرأتها مرة ثانية بعد شهر من هذا وأنا في فرح وشوق لصفحاتها الساخرة وإسلوبها التهكمي. وضعتها جانباً مدة عام. كان يباغتني شوق لها كبير عالجته بقرائتي للعظيم “هيرمان هسه” وعدت إليها راكضاً من فلسفته وكلامه العميق إلى مغامرات “هولدن” الجريئة في نيويورك. وأخيراً رجعت إلى صفحات الحارس هرباَ من الواقع المر والزيف المستشري في المجتمع. سالينجر يعتبر أهم الكتاب الأمريكيين بعد إرنست همنغواي وأكثرهم تأثيراً في النثر والكتابة الإبداعية رغم أنه لا يوجد لديه إلا ثلاثة مجموعات قصصية صغيرة ورواية واحدة. وهذا يدل على قدرته الكتابية وشهرته الواسعة.
“الحارس في حقل الشوفان” رواية قصيرة جداً، في الأدب الغربي يسمونها ” Novella“ وتعني تصغير لكملة رواية- حقيقة لا أعرف كيف يمكن أن تصغيرها في اللغة العربية، لستُ ضليعاً في هذا. الرواية كتبها الروائي الأكثر عزلة في العالم جي دي سالينجر الذي توفي في العام المنصرم عن عمر يناهز 91 سنة قضى أغلبه في مزرعته معتزلاً الحياة الأجتماعية والأعلام والمعجبين. هذا الكاتب البديع والذي أسس نهجاً في الكتابة بعده أطلق عليه الكتابة الغاضبة. لم يترك وراءه إلا رواية واحدة وثلاث مجموعات قصصية. هذا يبدو قليلاً لكن ما لا يمكن أن تتخيله أن روايته الوحيدة “الحارس في حقل الشوفان” هي مقرر دراسي في أغلب الجامعات والمدارس الثانوية الأمريكية بالرغم من كونها ضمن قائمة عشرة كتب خاضعة للمراقبة في المكتبات والتعليم في العقدين المنصرمين. كتب عنها الكثير من الأغاني وحاول الكثير محاكاتها في طريقتها الساخرة. هذا أمر يدعو إلى التأمل.
أمر آخر عن هذه الرواية.الرجل الذي إغتال الرئيسي الأمريكي جون كينيدي، لي أوزولد كان يحمل الوراية معه. كذلك الذي إغتال مغني فرقة البيتلز جون لينون والرجل الذي أطلق النار على الرئيس الأمريكي رونالد ريغين كانا يحملا الرواية! وهو أمر يردده مناصري نظريات المؤامرة!
بالأمس إطلعت على الرواية بترجمتها العربية. قراءاتي الأربع السابقة كانت بالأنجليزية لكن هذه المرة وجدتها بالعربية. وأصدقكم القول بأنني إمتعضت من طريقة الترجمة، إنها جريمة حقيقية بحق هذا الكتاب العزيز على قلبي. ولا ألوم المترجم على هذا. الاستاذ “غالب هلسا” حاول جاهداً أن ينقل لنا رواية عظيمة لكنه فشل، حيث الرواية كُتبت باللهجة العامية الأنجليزية وهو أهم مايميزها مما يجعله أمراً صعبا ومعضلة أمام المترجم وهو الشيء الذي أوضحه الاستاذ غالب في مقدمته. وأستغرب أنه لا توجد أية ترجمات أخرى للعمل.
الرواية صدرت في عام 1951 ورافقها الكثير من اللغظ. قسمت المجتمع الأدبي إلى معسكرين بين رافض لها تماماً ومؤيد بعنف. الفكرة الخالصة بأنها تحمل الكثير من الألفاظ السوقية كان السبب الرئيسي لكل هذا. ففي طيات الرواية تجد كلمات مثل عاهرة وكلب ولغة عامية لم يعهدها المجتمع الأدبي الذي يُبجل اللغة الفصحى الانجليزية في تلك الأيام ويتعهد لها بالكثير. كانت بمثابة الصفعة القوية الموجهة له شخصياً. والأمر الثاني الذي وضعها على طاولة النقاش تركيزها على الشخصية الرئيسية وتفاعلاتها دون الإتكاء على الحدث الرئيسي في الرواية وأداوتها التقليدية. في حين أن الجميع يتفق على أن الرواية هي مثال يحتذى به في خلق شخصية مضطربة وقدرة سالينجر على رسمها بكل انفعالاتها وتطوراتها. إنها الرواية الأقدر في الحوار والسرد الذي يبهر القاريء ويجلعها من أكثر الكتب مبيعاً في التاريخ.
العنوان ” الحارس في حقل الشوفان” يعتبر من أجمل وأكثر العناوين التي تمثل النصوص الأدبية. إنه يختزل قصة الرواية ومشاعر بطلها في جملة واحدة. عنوان يحمل من البلاغة والإختصار الكثير لصفحات الرواية وأحداثها وشخصياتها. بطل الرواية “هولدن كولفيلد” وهمه الوحيد بأن يكون الحائط الصامد بين براءة الأطفال وزيف البالغين ونفاقهم. الحاجب الذي يعزلهم ببرائتهم وجمالهم عن قبح الحياة والتعامل مع الكبار المخدوعين بالمظاهر والمال والمغررين بخداع هوليوود وأفلامها البعيدة عن الواقع.
هي حكاية الأيام الثلاثة التي قضاها “هولدن” في هربه من مدرسته و سفره إلى مدينة نيويوك وهو في سن السابعة عشر قبيل عيد الميلاد. الأحداث التي دفعته إلى الأنهيار النفسي والعيش في مصحة نفسية. المصحة النفسية التي يخبرنا منها الأحداث الجنونية كما يصفها. هولدن مثل أي مراهق تعرفه، متمرد، مشاكس، ينظر للعالم بمثالية كبيرة، ويتطلع إلى صحبة الجنس الآخر. هولدن يتكلم بلغة المراهقين الخاصة، قاموس صغير من الكلمات التي تتكرر طوال الرواية ولا يعرف غيرها للتعبير عن أرائها. وهو يعترف لك في مقدمة الرواية أنه لا يملك الكثير من المصطلحات. مثل تكراره في كل صفحة من الرواية لـ ” and all“ والتي تعني وهالشغلات أو هالأشياء أو كذا حسب موقعها. إنه المراهق الذي يريد أن يخرج أمامناً بأراءه ونظرته الخاصة للعالم لكن لا تخدمه محصلته اللغوية. لكنه يصرخ و يخبرنا بما يريد قوله بما يعرف من اللغة ويجرد المجتمع المزيف أمامنا ويحلم أن يكون حارساً في حقل كبير من الشوفان في آخره منحدر حاد .حقل من الشوفان يلعب فيها الأطفال وهو يقف بينهم وبين المنحدر. هذا الذي يحلم به أن يحمي براءة الأطفال من عالم الكبار والمجتمع المنافق الذي سيدنس برائتهم. المجتمع الذي يجده مخدوع بالأفلام والمظاهر والنفاق والزيف والمبتعد كل البعد عن المثالية والحقيقة. إنه يخبرك أن كل مايريده هو الهرب من هذا الحياة والعيش في الريف. في كوخه الخاص. وهذا مافعله فعلاً كاتبناً حيث أمضى الأربعين سنة الأخيرة من عمره في مزرعته معتزلاً العالم المنافق والمزيف.
الرواية بالنسخة الأنجليزية
إتبع الرابط
الرواية بالنسخة العربية
اتبع الرابط


تغريدة تويتر

  • RT @KSAMOFA: #شاشة_الخارجية | وزير الخارجية الأمير #فيصل_بن_فرحان @FaisalbinFarhan يشارك في الذكرى السنوية الخامسة والعشرين لضحايا مجزرة ا… 2 days ago
  • ههههههههه twitter.com/reuters/status… 4 days ago
  • الظلمة تتكون مع أفكارك. والفكرة تكون نهراً يتدفق من عينيك. 6 days ago
  • تحلم كثيرًا في اليقظة؛ أنك أصبحتَ خفاشًا. خفاش صغير يجول في ليلة حالكة الظلام. تصرخ لكي ترى، تبكي لكي تسمع نشيج الأ… twitter.com/i/web/status/1… 6 days ago

رميتُ في الذاكرة

Blog Stats

  • 54٬702 hits