Archive for the 'لغط القول' Category



شفافية المسؤول السعودي

الشفافية، الكلمة الأكثر إستخداما لدينا بعد ” الارهاب” وإفتتاح المشاريع العملاقة. هذا المصطلح الذي لا يعرفه المواطن السعودي ولا يعلم أبعاده ومقاصده والهدف االمراد منه. وربما سنحت له الفرصة ليسمعها من أحد الوزراء وهو يتشدق بأن وزارته تضع الشفافية نصب عينيها وهموم المواطن فوق رأسها وتوجيهات الملك فوق كل هذا، ولا أحد يدري كيف يجري الأعمال داخل إدارته ولعل تصريحاته كانت في تعارض صارخ لما هو قائم في الأساس. هذه شفافية العمل الحكومي التي أصابت المواطن بفقدان السمع والضغط والسكري والتخمة من كثرة ترديدها.
“الفساد هو سوء استغلال السلطة من أجل تحقيق مكاسب شخصية”. هذه العبارة هي التعريف الرسمي لمنظمة الشفافية الدولية التي تصدر قوائم سنوية بأكثر الدول شفافية في العالم وأكثر الدول فساداً كذلك. إنها منطمة دولية لا يعرفها المواطن السعودي الصغير لأن مقرها برلين وهي غير خاضعة لأي دولة وهدفها غير ربحي. هدفها الوحيد هو مكافحة الفساد التي تعتبره العائق الأساسي للنمو الأقتصادي والديمقراطي في أي بلد.النمو الديمقراطي الذي يسمع عنه المواطن كثيراً ولايهتم له. هذه المؤسسة انشئت في عام 1993 على يد المدير السابق لعمليات البنك الدولي في أفريقيا وأمريكا اللاتينية “بيتر إيجن – Peter Eigen”. وبدأت في نشر “مؤشر الرشوة” بشكل غير رسمي في عام 1995 و رسمياً في عام 1999. هذا المؤشر أصبح علامة فارقة في مدى نزاهة الحكومات وأصبحت من التقارير التي تضع لها الحكومات الدولية ألف حساب، وضعت المملكة العربية السعودية في مؤشرها للفساد والرشوة في المرتبة 50 من ضمن 180 دولة في العام 2010. الحدث الذي احتفت به صحفنا ودور الإعلام السعودية بجدارة. وتناسوا أن يتسائلوا لماذا لا نكون في الصدارة وتكون مملكتنا الحبيبة في القمة كما نريدها أن تكون في كل المحافل الدولية.
مؤشر الفساد العالمي. هذا المؤشر الذي يصدره خبراء غربيون وجهلاء بوطننا الذي نعرف تفاصيله بكل حذافيرها ونعلم جيداً حقيقة الفساد المستشري في أوردة الإدارات الحكومية إلى الدرجة التي دفعت الملك إلى إنشاء جهاز حكومي يُعنى بمكافحته وإنشاء مؤسسة مدنية مساندة له. الأمر الذي يوثق الواقع والحقيقة المُرة بأن الفساد ضارب في الوجود ولا فرار منه في حياتنا وأنه حقيقة مطلقة لا خلاف عليها في أرضنا.
إن كان للفساد درجات عديدة. فهذا لايهم. الفساد فساد وإن إختلفت درجاته. لكن حقيقةً لا تهمني تقسيماته وفروعه ودرجاته أنا المواطن الصغير. ولا تهمني المشاريع الجبارة والإستثمارات الحكومية الطائلة في المدن الصناعية والإقتصادية بقدر إهتمامي بالعمل الحكومي والإدارات المرتبطة بحياتي اليومية. البلديات، مراكز الشرطة، المرور، المحكمة، المدارس وهلمجرا. هذه المباني المغلقة والتي لانعرف كيف تدار وكيف تجري فيها الأمور. لا تلوموني على هذا التفكير، لكنني لا أعرف إلا هذا الحي الذي أسكنه والقرية التي أزورها وهذا كل ما أريد معرفته من الأداء الحكومي والمشاريع والأعمال التي تمس شارع منزلي ومعالم الحارة التي أسكن والمدرسة الوحيدة فيها.
الشفافية موضوع شائك، وأتذكر حين قرأت عنها لأول مرة في الصحافة وسمعت للأصوات المطالبة بالشفافية والتي جعلتها الحل الأمثل لمكافحة الفساد ورقي الوطن والطريق السريع للديمقراطيقة ووضع المواطن في منتصف منظومة صنع القرار. هذا مالا أفهمه أبداً. الفساد له أبعاد أكبر وأكثر عمقاً من حلول الشفافية ويحتاج إلى ثورة أخلاقية قبل أن تكون معرفية تخاطب المواطن وتُطلعه على كل مُستجد في العمل الحكومي من أجل مكافحة مايمكن أن يجعل أداءه مثاراً للشكوك. ولا أعني أن الشفافية لا تستطيع مكافحة الفساد لكنها الخطوة الأولى لمحاربته والحد منه. وإن كانت الأصوات تتعالى من أجل إشراك المواطن في صنع القرار والأخذ برأيه بما يمس نمط حياته وطريقة معيشته فهذا لا يمكن أن يتحقق والمواطن لا يجد نشرات دورية ومؤتمرات صحفية من القائمين على المؤسسات الخدماتية المحيطة به من كل حدب وصوب والتي تعمل على طريقة التكفير القديمة في أن “الشيوخ أبخص” وأن المواطن ليس بحاجة لمعرفة تفاصيل المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي ستربك حياته من أجل تلامس أرض الواقع.
هذا المصطلح غريب على المواطن العادي. الشفافية، ماهي الشفافية؟ وما الذي أستفيده من الشفافية؟ وما إلى ذلك من الأسئلة المستحقة والساذجة والتي يحتاج المواطن إلى معرفتها.
عندما يطالعنا مسؤول رفيع المستوى ويبتسم لجموع الصحفيين وهو في أبهى حلة ليخبرهم أنه لا يوجد أي أخطاء أدارية وأن المشاريع ستحقق نسبة عالية من الإيرادات وأن العمل قائم على قدم وساق من أجل رفاهية المواطن، إنه يستخف بعقول المواطنين بوعي منه أو بلاوعي. هذه التصريحات الصحفية الضحلة لاتخدمني بشيء ولاتقدم أي حقائق أو إحصائات تدعم كلامه الذي يفترض منه أن يدفعنا للتفاؤل والطمأنينة. حيث أن هذه التصريحات تزيد من الإحتقان الوطني وتزيد من ضعف الثقة بالمسؤول وتباعد المسافة بين المواطن والحكومة. وطالما أن المواطن يستطيع الوصول إلى قناة من التواصل مع المسؤولين فسيكون لديه ثقة كبيرة بهم. المواطن عندما يجد حلقة وصل من الشفافية المبتغاة يكون قاعدة صلبة وحائطاً صاداً لإنعدام الثقة مع الحكومة وتبعاتها المخيفة.
أنا مواطن صغير ولا يهمني أبداً أن المدن الصناعية ستأتي لنا بمردود إقتصادي كبير على المدى البعيد للوطن ككل، أو أن جموع المبتعثين لم يكن بينهم حالة فاشلة بدون أي إحصائيات ملموسة، أو أن المدينة المالية ستأتي لنا بشركات كبرى ومشاريع عملاقة؟ أنا مواطن صغير ولا أريد جُمل رنانة تبدأ بـ “سوف”و “سيكون” وكل مايدل على المستقبل القريب أو البعيد بدون إطلاعي على الدراسات والتقراير الدورية عن هذه المشاريع.
أنا مواطن صغير وكل مايهمني هو فعالية البريد ومشاريع التصريف الصحي وتكلفتها ومدى كفاءة منفذيها، يهمني إنقطاع التيار الكهربائي وكم من المتوقع أن أصرف من جيبي جراء ذلك، كل ما أهتم له هو لماذا ينقطع الماء عن بيتي وأٌقضي الساعات الطوال من أجل “وايت” محمول بالماء الذي وعدتنتي إياه أمانة المدنية قبل سنة وتركتني احارب جيراني من أجل قطرة ماء. يهمني كم التكلفة الفعلية للطريق الموازي لمنزلي والشركة التي أُرسي عليها المشروع وكفاءتها وكم ستستنزف خزينة بيت مال المواطنين؟ أنا مواطن صغير ويهمني أسعار الشعير وسبب تدخل الدولة فيها وإلى متى سيتكرر هذا المنوال؟ يهمني كيف أصبح الشعير من الموارد التي تتدخل فيها بقوة السلاح وتخلق لها تنظيما عجيباً يجعني أقاسي حرارة الشمس والعطش؟ أو كيف أصبحت هذا الشركة التي أتت وإنشأت في ليلة وضحاها لتفوز بمناقصة كريمة لتعبيد الطرقات في الحي؟ أريد أن أعرف على أي أساس قام المسؤولون في البلدية بوضع هذه الميزانية بالملايين ووهبوها لهذه الشركة الجديدة وعديمة الخبرة من أجل توسعة الشارع الرئيسي في مدينتي، وعلى أي تسعيرة وكفاءة وأية معايير، ولماذا لم يتم تنفيذ المشروع في المدة المطلوبة ولماذا لم يتم محاسبة الشركة المسؤولة؟ أو ماذا انتظر من هذا المشروع وذاك؟ ولماذا لم أعرف أنهم سيقومون ببناء حديقة أو مسجد أو مدرسة أو منشأة حكومية في الشهر القادم ولم يعلم عنها أي بشر، ولماذا لا أجد بين يدي أية معلومات وتقارير تخبرني عن هذا؟
أنا مواطن صغير وكل ما أريده الشفافية التي أسمعها من أفواه المسؤولين ولا أراها.

رصاصة فارغة

 

الجثث في كل مكان..
قتلناهم كلهم مثل الكلاب الضالة. كل مايلزم تم فعله. الصعود أعلى التل، الاختباء خلف الصخور وبين الشجيرات، النوم على بطوننا في ساعات طويلة في هذا الشتاء اللعين. الإنتظار اللذيذ، الترقب إلى أن تلتقي رؤوسهم مع فوهات البنادق، ثم حبس الأنفاس و لحظة ضغط الزناد. كل مايلزم لأشم رائحة البارود اللاذعة و أصغي إلى صراخ أرواحهم الهاربة من وخز الرصاصات و العربات المحترقة. آه يا رؤية رعشة أجسادهم و هي ترفض الدم في برودة الصباح والضباب.
صراخهم الجميل، الصراخ الجميل.. الصراخ.. الصراخ المتقطع في إمتداد السكون و برك الدم!
كل مرة يحدث هذا يأتي صوت العريف “علوش” قوياً واثقاً يبدد لحظة الصمت بعد المعركة
– أجهز على الأحياء منهم، لا أسرى اليوم.
– حاضر سيدي.
ركضت أسفل التل و “همام” خلفي يحميني. كانت عربتا “اللوري” تحملان المؤن للعدو. وصلتنا الإخبارية في اليوم السابق، فإنتدب الجنرال خمسة رجال للمهمة. كلنا من الفصيل الأول. منذ اندلاع الحرب و فصيلنا في طليعة القوات تحت وابل الرصاص و قنابل الهاون. ربما أنه حقيقة ما تتداوله الفصائل الباقية عنّا و يتهامسونه فيما بينهم البين: أن الموت يسير أمامنا، و يتسابق مع بنادقنا نحو العدو.
كانت أسلحتنا خفيفة بالجملة من أجل سرعة التنقل عدا رفض الجندي أول “سعد” المسير دون رشاشة من عيار 50.

تحمله وحدك
لا أحد يلمس حبيبتي !

كان استدعائي مخيف للغاية. كل شيء مخيف في المعسكر. في الجيش تتوقع أي شيء. مثل أن يستدعيك القائد ليقطع رأسك لأنك أبديت أعتراضاً على طعام “الميز”. أنت بهيمة لا تملك أي خيار و حياتك لا تعادل سعر الذخيرة التي تحملها في حزامك. كنت أقرأ رسائلها وقتها. كنت أقرأ للمرة الألف. في هذه القطعة من الجحيم لا تجد إلا رسائل العشاق طريقاً سريعاً للجنة. على هذا الطريق كنت أهرب من الوقت إلى النعيم. كانت أخر برقية تلقيتها منها قبل أن تنهي كل شيء بيننا.
“ حبيبي الحياة بدونك صعبة جداً. أخبرني متى تعود إلينا و تلمني.”
كنت في الثكنة فوق سريري الحديدي أقرأ البرقية إياها. أتنفس رائحة الأغنام و المواد المطهرة والحديد الممتد على هذا الأسمنت. مبنى قديم لأحد المزارعين الداعمين للدولة ممتد بطول 20 متراً من الأسمنت و الحديد الصلب. تلك الرائحة التي أجزم بأنها كانت البقايا الأخيرة لحضيرة ماعز قبل أن يجعلها الجيش ثكنة عسكرية. عشرون صف من الأسرة، كل سريران فوق بعضهما البعض. أربعون سريراً لأربعين رجل في إستعداد تام للقتال والموت في وداع للزراعة و رعي المواشي و كل ما يجعل الحياة المدنية مقبولة و سهلة أكثر للعيش. أربعون رجل يستيقظون كل صباح و يرتدون بدلاتهم العسكرية و يحملون بنادقهم تلبية لأوامر من قائد في الجيش لا يعرفون ملامح وجه. كنتُ بينهم، على سرير لا ينتبه لوجع ظهرك ولا لساعات التدريب العسكري الشاقة، متمدداً على ظهري أحاول أن أجد كلمات جديدة خلف هذا البرقية. أية كلمة تخبرني عن الحنين أو الشوق أو طعم لحياة بسيطة لا تنتهك عذريتها طلقات الرصاص و الزحف تحت الأسلاك الشائكة و رائحة البارود.

القائد يريدك في الحال
الحين؟!
إيه

في هذا النمط من الحياة تتعلم قلة الكلام. لا أجابات وافية تستطيع العيش معها. حتى الأحاديث الأكثر حميمة بين الجنود تكون على شكل ألغاز لا تنتظر الحل. جمل ناقصة لا محل لها من الأعراب. يسألك أحدهم ” كيف حالك” و تجيب بشكل سريع وبدون أدنى محالة للتفكير” أحسن منك” كأن بقية حياتك عبارة عن معركة، عن قتال لا ينتهي إلا بموتك.
وضعني القائد الرجل الثاني في القيادة بعد العريف علوش. علوش معتوه درجة أولى إن أردتم الحقيقة، إنه معتوه إلى درجة لا تصدق. الأسبوع الماضي في فجر يوم ثلاثاء قارس البرد كان يركض عريانا خلف دجاجة. وقتها كنت أحرس الثكنة و سمعت صوته من بعيد
– تعالي يا ابنة الكلب
رفعت الرشاش نحو الصوت في ذعر. كنت أغط في نوم عميق وقتها وأحلم بأمي، بخبز أمي وهي تعجن دقيق البر وتضعه فوق النار. كنتُ أحلم وأنا أقفز خلفها طفلاً بريئاً و هي تسكب السمن و العسل فوق القرص المتحمر بحرارة النار. لا أتذكر إن كان لعابي يسيل وقتها لكني كنت مذعوراً جداً على صياح “علوش”، وجهت الرشاش نحو الصوت لكن حمداً للرب أنني أعرف العريف من شعره الأبيض الطويل المتدلي تحت كتفيه. كان هذا مشهداً مقززاً جداً. صرخت فيه
– عمى ، ايش تسوي يا علوش
لم يستمع إليّ كان يركض عرياناً و يلعن الدجاجة و حالة الهياج التي يعيشها. ركضتُ نحوهم مثل الأهبل. كان وقتها بعض الجنود من الفصيل الثالث يدخنون السجائر و يشاهدون ما يجري في ذهول و صمت. لا ألومهم، درجة الحرارة كانت تقترب من السابعة فوق الصفر في هذا الأرض الجافة التي لا ترحم. الدجاجة كانت تركض بشكل هستيري، رميت عليها خوذتي و إنقض عليها علوش مثل الذئب.

ايه يا ملعونة جاء وقتك

أمسكها في الأرض وأخرج سكينة و مررها على رقبة الطائر الضعيف. لم يكن هناك وقت كافي لتمر شفرة خنجره على رقبتها مرتين، كان رأسها بين يديه و قطرات الدم تتساقط على الأرض. رفع رأسه نحوي في فرح

أبشر بأكلة سنعة !

كأن الطعام سيجعل حياتنا في هذا الثكنة أفضل مما هي عليه. رفع الدجاجة للأعلى أمامه

تعلم أنني أطاردها منذ يومين، إشتقت لأكل غير طعام “الميز” صدقني أكل الثكنة لا يليق بالجنود. لكن اسمع بطبخها لي ولك و يمكن ” همام”. أوه، مع بطاطا و رز، أحلى كبسة ممكن تاكلها، لا تستغرب البطاطا، ستكون وجبة مغذية جداً

طعام الميز كان مقززاً بشكل رهيب. كان النوع من الطعام الذي تأكله كي لا تموت جوعاً. مثل أن تأكل لحم الحمير أو الثعلب.
وضعت برقيتها جنباً و ركضت نحو مكتب القائد. كان العريف علوش و بعض الضباط هناك. ألقيت التحية و أشار علي القائد بالجلوس. كانت أول مرة أجلس في مكتب القائد. كانت أشبه بالحلم. مكتبه تفوح منه رائحة القهوة العربية و التمر. تذكرت بيتنا وقتها، تذكر وقت العصيرة و أنا أصب القهوة لأبي و نتجاذب أطراف الحديث أو حين يتكلم والدي بإمتياز عن الزراعة و أحلامه في إمتلاك 300 نخلة. كانت رائحة القهوة المبهرة بالهيل و الزعفران أكثر ما يحبط الجنود. أتذكر لما أتى رفيقي “همام” من مكتب القائد أول مرة. تحدث مطولاً عن رائحة القهوة ونباهتها. كنت أستمع إليه و هو يتحدث بشغف عن رائحتها التي لا تأتي إلا من “بن هرري” أصيل.
لا أريد أن أكون ممن يعطي الأوامر. لا أريد أن أحمل على كتفي أكثر من رأسي و البندقية. أنا جندي و لا أريد أن أفكر كثيراً، لا أريد أن أفكر أنني أفقد السيطرة أبداً، لا أريد أن أكون في وضع قريب من ذلك، هذه هي المسألة. كل ما أحتاجه في الجيش هما “أمرك سيدي” و “حاضر سيدي.” همام هو الشخص الوحيد الذي يقترب مني هنا يردد دائماً ” لحظة انخراطك في الجيش ودع عقلك فمنذ اليوم الأول يستبدلون عقلك ببسطار قديم، و جزمة عسكرية منتنة. لا تفكر، لا تقرر، لا شيء! عقلك بسطار، عقلك رصاصة صدئة”.
المهمة-الكمين، سهلة جداً و نظيفة. سلوك العدو الطريق الجنوبي ل “عين الطوقان” كان هديتنا التي لم نحلم بها أبداً، هكذا أخبرني القائد و هو يلتهم فذات التمر. كانت هديتي التي صليت لله أن يهبني إياها. الطريق يمر بتلتين متدثرتين بالحشيش و الشجيرات الصغيرة. الموقع المثالي لنصب كمين و الإغارة بسرعة. كانت فصيل واحد من 13 جندي في سيارة جيب و شاحنتي “لوري” محملة بالذخيرة الحية وإمدادات طبية.
ركضت أسفل التل نحو الجثث. ثلاثة عشر جثة ولي منها اثنتان. ركضت مثل الأطفال سعيد نحو ماتبقى منهم على قيد الحياة. ماهمني أن أصاب بطلقات الرصاص. أريد ذلك، شيء في داخلي يريد ذلك، أن أصاب برصاصتين أعلى الشق الأيمن من صدري، تخترقني رصاصتان، ثقبان أسودان في جسدي, لحمي يختلط بالبارود و الدم الدافىء يتدفق منى و أصرخ مثل طفل رضيع و أركض إليهم … أركض للموتى.
بحثت عن المزيد بين هذه الأجساد؛ عن روح أسبق ملك الموت إليها. روحٌ أخرى أضمها إلى عائلتي من الأرواح، ترقص مع شياطيني و أعبر بها الجحيم. أريها نهاية النفق المؤدي لما بعد الموت. أنا الآتي بعد الموت، أنا النفق الذي آخره ضوء ساطع. أنا تجربة الموت!
جثثهم ملقاة في كل مكان. رائعة، جميلة و ساكنة جداً، إنها ممتزجة في الطبيعة، تشكل الآن جزءاً منها. بحثت كالمهبول بينهم، وخزتهم بفوهة البندقية، لكن لا حياة! أطلقت النار قربهم ولا ردة فعل لا حركة لا خوف لا شيء و لا حظ لي فيهم و ملك الموت يتربص بي.
لا جدوى من كل هذا الركض! هنا المشكلة، الركض نزولاً دائما لا يحقق المتعة، في البداية يكون الضغط الكبير على ركبتيك. الجسد كله يعتمد على الركبتين. و فقدان القدرة على الإبطاء من حركتك، فالحدث خارج عن الإرادة، أي خطأ وتقع على وجهك، أكرهني و أنا أتخيل إرتطامي سريعاً بالأرض و “همام” يرتطم بي بدوره، يبدو المشهد شاذاً. ماذا أفعل؟ المفترض أن يحميني لكنه أحمق جبان، دائماً يكون خلفي ملازماً لي يخشى أن تصيبه رصاصة، أنا درعه و ضمان بقاءه على قيد الحياة. أنقذته من فكي ملك الموت مرات عده. لكنه انسان لا يهتم بهذا، كل الذي يريده أن يأكل دجاجة أخرى من بين يدي العريف علوش! لكني أيضاً أكرهني أكثر عندما أتخيل وجهي مرتطماً بالأرض, إنه ليس شبيهاً بالإرتطام الذي تحدثه الرصاصات. أوه، كم هو رائع إطلاق النار على الأجساد المحتضرة الملقاه على الأرض. تقفز من قوة الرصاص. بارك الرب قوانين الفيزياء و الجاذبية. تقفز بضع سنتيمرات عن الأرض و ترتطم مرة أخرى, إنه عملي الشبيه بالإنعاش الكهربائي لكن في الاتجاه المعاكس تماماً..
و الآن علي الصعود إلى الأعلى و الضغط على ركبتي مرة أخرى نحو النقيب.
– لا أحياء سيدي
– أحسنت الصنع
أحسنت الصنع! أمممم، ليس بالشكل الكافي. حصيلتي طيلة التسعة أشهر الماضية كانت ثلاثة وثلاثين روحاً معظمهم قتلت رمياً بالرصاص. و لو تسنت لي ظروف أخرى لما أستخدمت الأسلحة النارية أبداً إنها تأخذ منك المتعة، تسرق منك لذة التفاصيل الصغيرة . قتلت ستة منهم بالسكين، تسللت خلفهم في العتمة و أدرتهم بشغف نحوي كأننا في ساحة رقص، ضممتهم قريباً مني و غنيت لهم في الثواني الأخيرة من العناق.
– اششش … ستعبر الجحيم الآن.
شاهدت الغضب يخبو في عيونهم. الدهشة و الفجيعة سويةً تتبلوران في تقاسيم وجوههم. أحسست بالبرودة تسري في أجسادهم . و أكثر، أكثر من ذلك، إنه التدفق اللذيذ للدم الدافىء من الجسد، وإنتشاره على الملابس، وانسكابه على الأرض. و ملك الموت ينتظرني أن أفرغ منهم، ينتظر دوره في العتمة مثلي. لكني لست مثله، أنا لا أفرق بين الروح الطيبة و الخبيثة و لا أسأل من أنتِ أو من أين جئت؟ إني فقط أغتالها، آخذ الحياة منها.
همام وقف متسمراً عند الجثث. فوق الجثث تماماً لم يقدر على الحركة. لون وجهه أصبح أزرقاً مثل الأموات، يداه ترتعشان و قلبه يخفق سريعاً. وقع فريسة الندم يسكن ملامح وجهه و يَظهر في إحمرار عينيه. الرجال تفضحهم المشاعر كثيراً، يكونون مثل الأطفال، يحاولون إخفائها لكن لا جدوى. “همام” ناديت عليه ولم يجب، ياللمسكين صرخ: ياللفظاعة!
لا تدري ما الفظاعة ياهمام. الشعور له مساوءه أيضاً. الفظاعة في المشاعر التي تفضحك، وجودها أو عدمها. أنا لا أشعر بشيء . داخلي فارغ مثل رصاصة فارغة أطلقها في الهواء و لا أثر. لم أكن هكذا أول الأمر. أول الأسابيع عندما انخرطت في الجيش. كنت أمسك صورتها و أسهر الليل. عيناي تلتهمان الصورة. و يداي المتعرقتان تبللها كثيراً، بللتاها و ضاعت الملامح منها. الرجال في الثكنة كانوا يسخرون مني وقتها. يقرعون خوذاتهم بالأسرّة و يضحكون، و بعضهم ينصحني ساخراً “مارس العادة السرية و أطفئ ضوء سريرك كي ننام”.
كنت أشتعل من قراءة رسائل الشوق الحارة. كنت أكتب لها كل يوم و أصلي لها كل ليلة. و الآن أراها تبتسم مع كل رصاصة أطلقها، كل روح أسرقها من ملك الموت. مضت 9 أشهر الآن يا “نورة” و لم يعد قلبي يقفز لزيارات طيفك و أنا أضغط الزناد

مذلون مهانون

– تعرفتُ إلى طعم السجائر في صباحات الوحدة. سجائرهُ التي ينفثها في وجهي كلما فتحتُ فمي للحديث. سجائر إنتظار الأماني التي لا تتحقق. أماني الضعفاء. مزاجه السودادي لا يمكن أن ينتهي، الرجل الذي يشاطرني الفراش و أيامي. يا الله كيف أحتمل هذا؟ تعرفين ذلك يا ” نورة” أخبرتكُ هذا، أنتِ صديقة طيبة، رباه أنا تغيرتْ وأصبحت بليدة أكثر؛ و هو لم يتغير.

كانت تبكي في المرات السابقة، تبكي الحظ الرديء و تنوح الحياة. الدمع الحارق، رائحة الدم الحارة العالقة في أنفها من لكماته. هذه كلها ؛ حرقة الكدمات و حرارة الدموع و الصراخ و الدم، حيلتها الوحيدة. لكنها أقلعت عن كل هذا الآن. قامت بما تجيده عندما تقضم الكآبة روحها : غرقتْ في تحضير الطعام ، نظفتْ الأواني وكنستْ البيت. هذه المرة أمسكت بسماعة الهاتف وتابعت حديثها لصديقتها نورة.

– ليته يعود يا نورة كما كنا في شهر العسل. أجمل أيامي قضيتها في اسطنبول معه! ماذا أفعل معه يا نوره يخرج دون أن يسمع ما أريد أن قوله. أريد أن أًصرخ في وجهه. أن أضربه بيدي العارتين أو بمنفضة سجائره. كل الذي أريده معرفة ماذا يريد أن يأكل وقت العشاء،؛ هل سيعود الليلة في وقت متأخر أم ماذا؟ ركب سيارته تلحقه أمنيتي الوحيدة أن تدهسه حافلة و يموت. يا الله أنا انسانة سيئة كيف أتمنى الموت لأحدهم . هل سيعاقبني الله على هذا؟. الله لا يحبني يا نورة، تركني ولم يستمع لدعائي. أريده أن يموت و تكون هذه الأمنية السخيفة التي لا أملك غيرها، آه من الأماني التي يمنعها الغرور من التحقق.

كانت تتكلم بسرعة، بدفعة واحدة، بنفس واحد كأن أحداً يراقبها. تتكلم في سباق مع الوقت قبل أن يعود للبيت و ينعقد لسانها. كانت تتكلم لتتخلص من ألم لا تستطيع أن تتحمله أكثر. كل ما كان يحركها هو أن تتخلص من هذه الغيمة الجاثمة على روحها و التي تقتلها ببطئ. الموت يغازلها من بعيد، بأبشع الصور التي يمكن أن تتخيل، الموت بئساً. “هذا أنا و سأكون بقربك دائماً” الكآبة تهمس في أذنها. هذا ما كان يمثله هذا الرجل الذي يحتضنها كل غروب ويتركها للبكاء حين تشرق الشمس.كانت “سامية” تتكلم وتمسح دموعها، هي الفتاة التي تمضي إلى الحياة مثل من يمضي إلى المنفى بلا رغبة، و لا شغف. لم تُقبل على الحياة أبداًً – على الأقل خلال الأشهر الأخيرة من زواجها. كانت تحاول الهرب من كل شيء، و كل محاولاتها البائسة لتخلق بيتاً جميلاً تتراقص فيه الفراشات و الأحلام الوردية الساذجة لتملأ كل ما يحيطها سعادة و فرح، بقت أحلاماً مستحيلة المنال.

وجهها الطفولي أصبح أكثر حدة و بلوغاً، عيناها الواسعتان أصبحت بلا عمق و حياة. العينان نافذة للروح و “سامية” لم يتبقَ من روحها الكثير مما يمكن أن تقرأه. تقاسيم وجهها صارتْ جالية وأكثر حزناً في ستة أشهر، هكذا كانت تفكر صديقتها “نورة” وهي تستمع إليها في خشوع الراهبات كأنها تتلقى إعترافاً.

هذا ما تحولت إليه حياتها، يضربها “صالح” و يخرج من البيت وهي ترتمي على الأريكة و تبكي، تبكي أشد من الأطفال الثكالى. بحرقة و لوعة وتصرخ ثم تجفف دموعها وتطلب من نورة أن تأتيها.

– تعالي قبل أن أذبح نفسي !

رمت الجملة في أذن نورة عبر الهاتف دون أن تترك مجالاً للرفض. نورة صديقتها منذ الطفولة، صداقتهما تعود الى الصفوف الأولى من المدرسة الأبتدائية. كانتا يصففن شعرهن بربطة ذيل الفرس، للأعلى من دون خصلات تتساقط على عينيهما. صديقتها المقربة و ربما الوحيدة. صديقاتها الكثيرات هربوا من حزنها وهربت هي من نظرة الشفقة في عينيهنّ إلا نورة المخلصة. تسكن في نفس الشارع. بيتها الثالث من الشمال. مكون من طابقين، تزوجت من رجل ثلاثيني زواج تقليدي كما هي العادة. رُزقت منه بطفل صغير يشبه أباه كثيراً أسموه “عبدالله”. تعتقد أنها تعيش حياة سعيدة، حياة سعيدة فعلاً عندما تضعها في الميزان مع حياة صديقتها سامية.

إرتدت عبائتها وحملت طفلها الرضيع، عبرت الشارع وهي تفكر كثيراً في هذه المسكينة التي تقاسي المر والكآبة كل يوم. فكرت لو أنه يمكن أن تغير القدر وتجعل كل النساء والأطفال المساكين سعداء وتنتقم من أمثال صالح.

سامية تعيش في شقة في الطابق الثاني، مكونة من ثلاث غرف وصالة لإستقبال الضيوف، طرقت عليها الباب واستقبلتها بالأحضان.
سامية – أنا آسفة أنني جعلتك تأتين بطفلك المسكين تحت حرارة هذه الشمس.
نورة – لا عليك يا صديقتي.

ردت عليها نورة وأطرقتا في صمت. صمت المحبطين، الساقطين نحو الهاوية في الثواني الأخيرة، صمت المسلّمين أمرهم للقدر والذين لا يعرفون كيف يقذفوا بالحقيقة من أفواهم.
سامية – أعرف أنك تكرهين الإستماع لي، تصغين لي وأنتِ كارهه. ماذا أفعل يا حبيبتي يا نورة، ليس لدي أحد ينتشلني من هذا الجحيم. أخاف أن أخبر أخي “علي” تعرفين أنه مجنون ويمكن أن يحيل هذه الأرض جحيماً لا يرحم، ربما أنه يضرب صالح و يمسح به هذا الغرفة ثم ماذا؟ ماذا يانورة؟ لا أريده أن يضربه، إنني أحبه يا نورة. لم يكن هكذا أبداً. هناك شيء حدث له في الأشهر الماضية. كان يقبلني كل ساعة، لم يكن يكتفي بالقبل والكلام المعسول. كان يحتضني حين يدخل البيت. لكنه تغير بعد أن خسر أمواله في بورصة الأسهم. صار يضربني ولا يحتمل كلامي.

كانت تتحدث وتمشي في صالون الضيافة، تدور في حلقات كأن الكلام هو ما يدفعها للحركة. نورة كانت تصغي لها في امتعاض. لا أحد لديه القدرة على الاستماع الى هذا الوجع و يتمالك أعصابه.

سامية – حين أصبح مزاجه أكثر سوداوية وبدأ يضربني. صفعني أول مره ثم خرج من البيت. عاد في وقت متأخر وبكى عند قدمي وغفرت له. لكن في الاسابيع اللاحقة عاد إلى ضربي، كان يبحث عن سبب لذلك. أخبرت “علي” أن يتحدث معه لكن هذا لم ينفعني أول مرة. إنتهى الأمر بأن ضربه علي أمام عيني، يا الله يا نورة وقفت بينهم وحميته بجسدي من أخي. لم أستطع رؤيته هكذا، لم يرفع يده على أخي. استقبل ضرباته كأن فيها الخلاص. علي لم يصدقني توقف مندهشاً مما فعلت. ربما أنني أستحق هذا. إنني أحبه وأكرهه في نفس الوقت، لا أدري يا نورة

نورة – ما حدث أمر مؤسف، أتمنى أن تنتهي الأمور على خير، أمر الله وما شاء فعل! لكن ألم تخبريه حتى الآن؟!

سامية – لا !

نورة – يا حبيبتي “سامية”.

هذا أكثر ما تستطيع قوله، أن تركز كل قواها من أجل الكلمات المنتقاة المناسبة. هذا لم يكن أصعب المواقف عليها. أن تنصت في إذعان إلى هذه الحقيقة. أن تستمع إلى كل كلمات الذل و العجز في عينيها و تلمس روحها المنكسرة و لا تستطيع أن تفعل شيء، إلا أن تقترب منها بحنان الأمهات و تفرط في إختيار الجمل القصيرة المخففة للألم في صدرها.

سامية – يالسخفي، لم أقدم لك القهوة حتى الآن.

قالت هذا ووقفت على أصابع قدميها. كأنها تفيق من غيبوبة، أو لحظة سرحان طويلة وتستدرك الثواني لتصصح الموقف. كان إنتباهاً مخجلاً. ركضت للمطبخ، وعادت بسرعة تحمل صينية فيها القهوة و التمر.

– تقهوي

ارتشفتا القهوة على عجل كأن القهوة هي الخلاص من المأساة. كأنها الدواء الذي يخفف الألم و يسارع بالشفاء. لم يكن لديهما أي شيء تحكيان عنه إلا هذه الحياة البائسة.

سامية – أنا وحيدة هنا يا نورة .. لا يستمع إليّ، لم أجده أبداً بجانبي. كل ما أتمناه هو أن أرتمي بين ذراعيه وأنام. حتى هذا لا يتحقق.
تابعت حديثها على مضض. هذا ليس أسوء ما يحدث، الشهر الفائت شج رأسي بصحن الطعام، لأني نسيت الملح. رماني بالصحن ورفسني في بطني. كله من أجل الملح وعندما رأى الدم يسيل من جبهتي قال بكل بوقاحة ” هذا وسمي في وجهك، للأبد”. ما الذي فعلته لك يا حبيبي لتكون وحشاً هكذا.

واحتضنتْ نورة وبكتْ في حرقة. بكتْ كأن الموت قادم إليها وتريد الحياة أكثر.

سامية – أتذكره، أتذكر يوم الجمعة حين ناداني والدي يوم جمعة. كنتُ أسمع ضوضاء من مجلس الرجال في الليلة السابقة. أخي “علي” كان صوته غاضباً. إخوتي الباقين كانوا صامتين، وحديثاًً منفعلاً كان بين “علي” و أبي. … لم أستطع أن أسترق السمع حينها. كل ما فهمته أن “علي” غادر البيت مسرعاً دون أن يودعنا أنا وأمي على عادته. كل مرة كان يقبل رأسي و ويقرص وجنتي كأنني طفلة.. …. غادر تلك الليلة ولم أفهم مما حدث شيء لكن في الصباح التالي أبي كان يناديني. في صبيحة شمس جمعة حارة .. “سامية يا بنيتي تعالي” ، “جيبي القهوة وتعالي أبيك”. أخذ يتحدث مطولاً عن أنني أصبحت امرأة الآن و كل شباب أقاربنا أبدو رغبتهم بالتقدم لي. وأنه أختار أفضلهم!

كانت تعيد عليها الأحداث التي تعرفها جيداً، الله و نورة وحدهما يعرفان ماذا يحدث في هذا البيت بكل تفاصيله المهينة.

سامية – “هذه السنة الثانية، الأسبوع الماضي كانت ذكرى زواجنا الأولى و إحتفل فيها بلعني و لطمي بلسانه القذر. يا الله أكره هذه العيشة المتعبة. كلماته تُهشم روحي وتسحق أي أثر بعيد فيها للسعادة. تعلمتُ ألا أصغي إليه عندما يحتقن وجه ويندفع الدم إلى رأسه. صرت أهرب إلى أقصى الأماكن عنه. إلى شوارع اسطنبول. أتمشى قرب البحيرات و أقضي يومي كله هناك. أحرك قدماي في الماء وأستلقي على العشب الأخضر. صرت أهرب ولا أعود إلا عندما يخرج من الباب معه أمنيتي إياها بالموت دهساً “.

نورة – ماذا عن اللي في بطنك!

كارما يا ولد

أخبرني أن الله يحبني مثل أنبياءه و أكثر. أن هناك كتاباً سماوياً ذكر فيه أسمي و رسولاً بَشرَ أتباعه بقدومي قبل أن تلدني أمي، وأن الأرض ستكون لي برداً و سلاما. الله سيباركني من السماء الأولى إلى سابع أرض. وأن الحجارة ستتفجر حين أضع الشال عن وجهي أمامه عينيه اللعوبتين. الحب الذي كان يصلي من أجله وآمنت فيه بلا شك. أقصد اليقين الذي لا يحتمل شك. لكن هذا كله كان هراء. كله كذب منمق . كذب، كذب، كذب.

2

خمس سنوات إمتهن فيها قلبي وجوارحي. خمس سنوات كانت الحياة فيها من أجله. سنوات كانت الحياة هي “هو” و أباد كل شيء غيره.

3

الرجل جحيم. جحيمنا الرجال. نعقد كفي الدنيا بطرفي ابتسامة الرجل الذي نحب و نكفر بكل شيء.

4

الألم . . . هذه النهاية التي لا يؤمن بها العشاق في وطني!

من للريح، للأرصفة

شعر / لقمان ديركي

أصابعك للريح
عندما لا تجد قطاراً تستقبل فيه امرأة ما
أصابعك للقطار كله
عندما لا تعثر على العربة التي تحملُ امرأة ما
أصابعك لكلك النوافذ
عندما لا تطلُ من إحداها امرأة ما
أصابعك للسكة
كي يمر عليها قطار كامل
من العربات و المسافرين و الأمتعة
و عندما تتكسر تماماً
ستعرفُ أن العربة التي تحملُ المرأة
قد مرّت الآن .

بعد كل هذا التردد
و الوقوف الطويل أمام المرآة
بعد التمارين المجهدة
لعبور شارع بيتكم دون ارتباك
بعد المرور أمامكِ كالبرق
ناسياً -عمداً- عنواني عند قدميكِ
ها أنا أطرق بابك
و لكن كم ستكون خيبتي كبيرة
إذا لم تكوني موجودة
فأنا لا أستطيع أن أكرر هذه الشجاعة
مرة أخرى .

تهزني بهدوء
لتقول لي ” صباح الخير ” و تمضي
تاركة جسدي للنوم و الدفء
أهزَها بهدوء
لأقول لها ” مساء الخير ”
و أنصر إلى جوار المدفأة
منذ زمن بعيد ذهبت
تاركة لي عادتين
بالأولى أهز الوسادة
و أقول للسرير الفارغ ” مساء الخير ”
و بالثانية أسهر حتى الصباح
دون أن ينبهني أحد ب ” صباح الخير ”
إنها تحبكَ و ما انتبهت
اسأل الوردة

القصيدة في الحقيبة

إنها تحبكَ و ما انتبهتَ
اسأل الذبول في يدها
الحروف المتدحرجة من القصيدة
إنها لم تعد تحبكَ
و ما انتبهتَ
عادتهُ الانتظار
و عادتها ان لا تجيء

عادته كرسي و عيون على الباب
و عادتها أن لا تدق
مرة جاءت , دقت الباب
لكنه بقي على الكرسي
و بقيت عيونه على الباب

أيتها الشرود المتوج بانتباه
أيتها الوردة
توهت حداثقها و نبتت في البراري
و عبثاً أتشبثُ بكِ
يا أجنحة سقطت و بقيت عصافيرها في الهواء
ماذا سوى ريش و زقزقة

من للريح بعد شعرك الطويل
من للأرصفة بعد قدميك الصغيرتين
فرح بك

كتمثال عثرَ عليه للتو

في الشارع أخاف عليك
و على الرصيف أحبكِ
و عندما تندلع الحروب
أقف مدافعاً عن شارع بيتكم
على كل الأرصفة أسمع طرقات حذائك
و على كل العيون ألمح نظارتكِ
أمسحُ عن زجاجها صور كل الرجال
و عندما أعود إلى غرفتي
لا يفزعني سوى غيابك
في الليل الموحش
و حيداً
حزيناً
كتمثال عثر عليه للتو

كما لو أنني ماء

أعد الحصى للشواطىء
و ألاعب الريح
تمر السفن محملة بالقراصنة فأهدأ
و عندما يمر زورقك الصغير أتبخر
كما لو أنني ماء
أموت فرحاً عندما ألامس قدميك في مدي
و أموت حزناً حين أنحسر عنكِ في جزري

أنتظركِ
و عندما لا تأتين
أسدلُ أمواجي علي و أجف
كما لو أنني ماء

لم يكتشفك السنبل في جحورك
و لا نسور هرمت على ساعدي
لم ينتهِ عمري في معصمك
و لا مائي في ارتجاج جسدك
لم أكن قامة كي لا أنحني لسواك
ولم تكوني سمكة فتغرق عيني كلما رأتك

كأنني رجل تنسج العناكب حوله قلبه
بائد و قمصاني تزهو بجسدك
مائل عن حالي
و أنت تمدين رأسك من قمصاني الملونة

كيف أبدأ
و هاويتي صغيرة لسقوطكِ
و دمي مهما سال على المنحدر
لن يزلق قدميك .

بحيرة الوحدة

بعدسة المصور : سعيد الطوقي

كنتُ أعبر بحيرة الوحدة على انعكاس قمة جبل ”مونت رينيير” الجليدية قبل أن يبعثر إنعكاسه المطر الذي لا ينقطع في مدينة سياتل. المطر الذي يسكب فرحه في الطرقات المؤدية نحو البحيرة. كنتُ أحاول إستباق هطول المطر. كانت رسالة في هاتفي المحمول هي ما دفعني للإستيقاظ قبل وقتي المعتاد. إرتديت ملابسي في سباق مع رطوبة المطر الثقيلة التي تستحثني على الخروج من غرفتي و تدفعني إلى التصرف بجنون. الجنون الذي يدفعني إلى أن أركض وأعبث في البحيرة مع البط والبجع.
الطيور تفرح بالمطر بشكل غريب. هذا ملا أفهمه أبداً. الطيور تنتابها حالة غريبة من السكون عندما ترتطم السحب ببعضها البعض في سقف السماء قبل أن تنفض أجسادها وترتب ريشها للمطر. كنت أنتفض في سريري صباح الأحد ثم أرتب أفكاري بين أشجار البلوط متسكعاً في الممر الطيني الضيق في هبوط نحو ضفة البحيرة الغربية. كان هذا يوم الأحد ولم أحضر القداس. لم تكن عظات القديسيين تعنيني بأي شكل من الأشكال. هذا أضبح مؤخراً حيث إتخذت علاقتي مع الرب مجرى آخر. الرب يعرفني وأنا أعرفه وهذا الذي أؤمن به فعلاً وحتما لستُ بحاجة إلى قديس عجوز أو رسائل مفاجأة لتخبرني ماذا أفعل كي يكون الرب معي. إنني أجده في كل شيء وأراه.

كنت أخبركم عن البحيرة بإقتضاب. قبل أن يهطل المطر ويقفز قلبي مع هذه الرسالة التي قرأتها أكثر من مرة. البحيرة التي أعبر بحثاً عن الفرح تستلقي في شمال مدينة سياتل. المدينة التجارية والصناعية بشكل مزعج، تقع على الحدود الشمالية من الولايات المتحدة الأمريكية. تحيطها الكثير من البحيرات. لكن هذه البحيرةليست بحيرة خلابة كما يتوقع البعض لكنها أقرب ما تكون إلى فسحة من الهدوء والطبيعة الفاتنة في قلب مدينةٍ صاخبة. مياهها الراكدة تملؤها أسماك السلمون والضفادع والباعوض و شياء مقرفة أيضاً ولولا كثرة الأمطار في هذه المدينة لعجّت برائحةٍ منتنة وعفن الجثث النائمة في قعرها كما يخبرني أهالي المنطقة. وهذا لم يمنعني أن أقضي معظم النهار في أيام الآحاد على ضفافها. أعتقد أنني في علاقة غرامية مع هذه البحيرة منذ أول يوم رأيتها. كنت وقتها وحيداً أبحث عن أصدقاء جدد في هذه المدينة. كنت أتجول وبصحبتي كتاب. لكن الحقيقة أن البحيرات ليست مثل النساء، إنها لا تسبب لك وجعاً في الأذنين وألماً في الرأس.

قبل أن أستيقظ من النوم كنت أنتظر أخباراً سارة من أحد الأصدقاء في الجنوب وبالتحديد من مدينة دالاس. ولا أخفيكم القول أن حياتي أصبحت متوقفة على هذه الأخبار. الأخبار مهما تكون هي إنعاش كهربائي في غرفة الأسعاف لهذه الحياة التي نعبرها مثلما جسر “فريمونت”. عبرته حينها هذا الجسر الرابط بين حيي “كوين آن” و”فريمونت”. إنني أكره هذا الجسر كثيراً لأني أكره الأشياء المقطوعة من المنتصف. هذا الجسر الكرية والذي أعبر كل يوم مبني من الحديد الصلب. بُني من الجهتين المتقابلتين بنفس الشكل الهندسي ليكمل نصف دائرة من الأسفل تحمل فوقها خطاً مستقيماً أعبره في قلق. هذه الدائرة المقتصة من النص تكون بعرض ثلاثين متراً تكفي لعبور السيارات من الإتجاهين المقابلين. وكذلك تحمل مسار محدوداً من أجل المشاه وراكبي الدرجات. أكره مساره الضيق وزحام العابرين فيه. يرغمني على المشي السريع والخوف من الاصطدام بسائقي الدراجات الذي يصرخون فيك “أحذر عن يمينك” و ” نتبه عن يسارك”. المفترض أن تتحاشى الإتجاه إلى اليمين أو اليسار عندما ينادون عليك بشكل يدفعك إلى الارتباك والخشية من الأنصطام. لكن دعوني أفصح لكم بسر خطير ” أنا لا أعرف اليمين من اليسار”. أعني لا أعرف المسميات وليس هذا لفقداني الإحساس بالإتجاهات نفسها. إنني معروف بين أصدقائي الفضلاء بذاكرتي القوية وعدم نسياني لطريقاً سلكته من قبل أبداً حتى وإن كنتُ راكباً. لكن هذا الإلتباس المعرفي في حفظ مسميات الإتجاهات والتفريق بينهم يصيبني بالرعب ويجعلي أبدو غبياً في أعين البعض. هذا ليس الشيء الوحيد الذي يصيبني بالرعب وأنا أعبر الجسر، لدي عادةٌ غريبة وأنا أمشي، أن أضع ناظري بين قدمي وأستمع إلى الموسيقى. هذا يجعلني أرتطم بالبشر والأعمدة والكراسي وكل شيء أمامي. هذا يسبب لي الكثير من الإحراج. الإحراج لا تحتاج إليه عندما تستمع إلى الموسيقى. الموسيقى رحلة للروح. فجر السكينة، وطريق العروج إلى السماء الثامنة والخيالات الخصبة.

إنتقلت إلى هذه المدينة من أجل وظيفة في شركة برمجيات قبل عيد ميلادي الخامس والعشرين في شهر مارس من السنة الماضية في أبعد المدن معرفة للكنيسة والرب. كان هذا هروباً من حرارة الجنوب إلى أمطار سياتل بعد وفاة والدي بسرطان الكبد وإنتقاله إلى سماء الرب وملائكته. لم أحتمل المكوث أكثر هناك، أصبحت الحياة صعبةً بشكل لا يطاق. لم أعد أعرف كيف أتعامل مع أمي المهووسة بالنظافة والصحة من قبل أن يمرض والدي، هذا قبل أن يزداد مرضا لكن بعد أن ألتهمتْ خلايا السرطان كبده صارت أمي كائناً لا يطاق. أما أخواتي الصغيرات، يالرب السماء،المراهقة أمرٌ يصعب التعايش معه أبدا. أنا لا أعرف التعامل مع هذه المتغيرات. قبلت العرض الوظيفي المغري وإستقليت أول طائرة متجهة إلى مدينة الزمرد. الأسبوع الأول كان ماطراً بحق، قضيته في فندق “ويستن” أعاني من أعراض الرشح والحمى. إن أردتم الحقيقة، لدي مناعة ضعيفة جعلت حياتي جحيماً من أمراض وأدوية وإبر ومستشفيات. إنني أعزوا هذا إلى كثرة المضادات الحيوية التي تربيت عليها بين يدي أمي المهووسة بصحتي أنا وشقيقاتي الثلاث.

إنتقلت إلى شقةٍ صغيرة مكونةٌ من غرفةٍ واحدة لها شرفة كبيرة تطل على جبل “مونت رينيير” وضفاف هذه البحيرة بإيجار شهري معقول. حقيقة لم أكن لأجد هذه الشقة لولا مساعدة إحدى العاملات في الفندق ولا أعتقد أنها قدمت هذه الخدمة من أجل الرب أو المحبة لكن من أجل العمولة التي قبضتها من مكتب العقار والمبلغ البسيط الذي وضعته في يدها تعبيراً عن إمتناني العميق بعد أن إنتقلت للشقة بإسبوع أو إثنين، لا أتذكر فعلاً.

في الضفة الأخرى من البحيرة مقهى قديم في نهاية الجسر يملكه زوجين مهاجرين من روسيا إعتادوا رؤية ابتسامتي المقتضبة كل يوم أحد. فتحت باب المقهى وإذا كارماكوف الطاعن في السن يصرخ في أقصى المكان.
– لم تذهب للقداس !!
– وأنت أيضا يا كرماكوف الطيب !
كان جاوبي بديهاً حينها وسريعاً.
– قهوتك المعتادة إذن ؟
– نعم من فضلك.
هكذا دائما تكون الحال عندما أفتح باب المقهى وأقف طويلاً من أجل طاولة فارغة في الجهة المقابلة لتمثال الرئيس السوفيتي الأول “فلادمير لينين” المنتصب بكل عنفوان وبجاحة في قلب حي “فريمونت” الرأسمالي. هذا شيء لم أستطع فهمه حتى الآن، بحق كل الأشياء الجميلة في الحياة ما الذي يفعله هذا الطاغية الملحد في الولايات المتحدة التي تعتبر الفكر الشيوعي فكراً فاسداً لا يصلح للحياة الكريمة ويحارب كل مبادئ الحرية والعدالة.
ههه، لا تعتبروا لكلامي لكن كل ما أعرفه عن الشيوعية مقولة ماركس” الدين أفيون الشعوب” أو شيء مثل هذا.

جلست مع فنجال القهوة و رواية جديدة من الأدب الروسي و”جهازي المحمول” كما أفعل كل إسبوع بعيداً عن الكنيسة ومولياً وجهي لعدو الكنيسة والأديان. لينين السفاح.

العجوز الروسية “تشيكماسوفا” اللطيفة إستقبلتني بـ ” آه” طويلة من الفرح وإتساع في عينيها لهذا الفرح. كانت تصرخ بالآه وتميل رأسها إلى اليسار أو اليمين – حقيقة لا أتذكر – في إصرار على مدى انفعالها العاطفي البهيج برؤية هذا الفتى الأسمر الذي يهرب من الكنيسة كل يوم أحد ليقرأ رواية في مقهاها الصغير.
يوم الأحد تجلس على طاولة المقهى. تجلس على طاولة المقهى الصغيرة توتنازل عن الصمت بتدرج، وإن لم تعتد هذا مع الغرباء. الغرباء الذي يستمتعون بطرح الأسئلة التي لا تعنيهم بشيء. هذا لا يمكن تجنبه في هذا المقهى الروسي على ضفاف البحيرة. هذه أصبحت عادة أنتظرها كل أسبوع، أن أرمي بعقلي ومشاعري أمام الأجانب ليختبروا مدى صبري ويقلبوا أحداث حياتي في عقولهم. دائماً أخبرهم معلومات مغلوطة عني أو أكتفي بجزء مما حدث معي مما لا أهتم به.

– يا غريب الأطوار ، مرحبا كبيرة
صرخ بها في أرجاء المقهى مثل إعلان حكومي. “تيم هيلي” أحد زملائي في العمل. يعيش في نفس الحي الذي أعيش فيه حي “كوين آن” على الضفة الغربية من البحيرة. وبرغم أنه حاول كثيراً أن يكون مقرباً مني حتى أنه دعاني إلى حضور أحد الحفلات التي يقيمها في حانات سياتل.

“تيم” يدير فرقة موسيقية تغني أغاني الروك ان رول من حقبة السبعينات والثمانينات. حضرت إحدى حفلاته في ليلة من ليالي سبتمبر بعد إلحالحه المخجل لي أمامي بقية الزملاء في العمل على أن أحضر وأشاهد مدى مهارته في الغناء. كانت تجربة مريرة إن أردتم الحقيقة.
– أهلا ياصديقي الفنان
– كيف حالك؟
الأسئلة المعتادة من الجميع تلك التي لا تحمل أي اهتمام محتمل. أجبته بالمعتاد، وصاح في أذني أن أحضر إلى عرضه المقبل في السوق الشعبية نهار السبت القادم. لم أرفض العرض كما لم أقبله، كان ردي عقيماً مثل وجود الحياة على ظهر كوكب المريخ
– إن وجدت الوقت الكافي سأكون هناك بالتأكيد

قطعت كل فرصة للحديث معه واضعاً يدي فوق الكتاب الذي خلفته فوق الطاولة، الرواية التي أريد أن أقضي نهار ألأحد بصحبتها. كانت إشارةً إلى أنه حان الوقت للقراءة الآن. ودعته بعدها بعناق حار وطويل ثم قضيت ثلاث ساعات طويلات وأنا أفكر بالرسالة القصيرة التي بعثها قبل ليلتين صديق الطفولة “فرانك بوما”. كان فيها شيئاً عن أنني لم أعد بحاجة إلى العيش في سياتل أكثر من هذا وأنه وجد لي فرصة عمل في دالاس وسيوافيني بتفاصيل أكثر ظهيرة يوم الأحد.

قاطعني كارماكوف ملوحاً بإصبعه في الهواء
– جون ياعزيزي تعال شاركني الغداء
– لا أشعر بالجوع
– لا حياء في الأكل يا جون تعال هنا قبل أن آتي إليك
كان غداءه عبارة عن ساندوتش مرتديلا مضاف إليها الخس والطماطم. شيء يكفي جسده النحيل حتى العشاء. مد لي نصفها بابتسامة قائلاً
– عندما تكون في عمري لايستهويك الأكل كثيراً
شكرته بحرارة وأجابني بابتسامة رقيقة، ثم لاذ بالصمت وعيناها تتطلعان في تمثال “لينين”.

تنفس بعمق ثم تمتم في الهواء
– وربما الحياة أيضاً
لم أفهم مقصده من هذا. وضعت يدي أمام فمي المملتئ وسألته “ماذا ؟” في الوقت الذي قاطع حديثنا رسالة قصيرة من فرانك.
“ وعدني رئيسي بالعمل باعطائك وظيفة، الآن تستطيع العيش بالقرب من عائلتك والاهتمام بهم. اعتذر انشغالي. سأحدثك لاحقاً بتفاصيل أكثر”
أعتلتني علامات التعجب والفضول. لا شيء يعكر مزاجك مثل الإنتظار في أمل معرفة المجهول الذي يضعك وقت الإكتشاف والمعرفة في حفرة إنتظار أخرى. هذه السنة الثالثة التي أقضيها بعيداً عن والدتي وشقيقاتي الثلاث. لاحظ كارماكوف العجوز هذا في تقاسيم وجهي النحيل وغادر فكره التمثال العملاق إلى الرسالة التي أخذت جل إنتباهي
– ماذا دهاك يا صديقي؟
أخبرته عن العرض الوظيفي في مسقط رأسي بين أهلي ورفاقي القدماء. أخبرته عن والدي وهروبي من ذكراه. أخبرته عن شقيقاتي الثلاث ووالدتي التي إعتراها الكبر. رجع برأسه إلى الوراء وأشار بإصبعه في وجهي
– العائلة أولاً!

Jeddah

Indeed, I tremble for my country when I reflect that God is just; that His justice cannot sleep forever

Thomas Jefferson

لعنتك تتبعني!

وأنتِ ترمينني، أيتها المرأة المشحونة بالرغبات الهشة؛ تقذفين بي في منتصف زوبعة تساؤلاتك المميتة. أنا رجل لا يبحث عن إجابات مقتضبة أو يَغرق حديثاً في الأمور الحتمية. رجل بارع في الصمت كما تصفينني نزقاً ثم تتمزقين من لا مبالاتي. هي الفكرة التي ارتسمت على طلعات جبينك و أرقتها من أعماقك المهدمة على أذني بعذوبة الجنيات الذكية. تسافرين بي وأسافر فيك لدهشة الخطيئة ولذة الغواية التي لا تنتهي بحقول البسمة على وتر تتمايل معه خاصرة ألمك. أنا الوجع المتلبس روحك في هذه اللحظة وأنتِ تتقيئين رسائل العتب القصيرة في حضني؛ الفراغ الخالي من الشفقة. أما قلت أنّا محض روحين مخربتين. روحان تتراقصان حول حطام عظام أجسادنا ندماً.

أتذكر دفء الشوق في راحة يديك. شوقك الملتهب إلى درجة التلاشي . وشوقي المشنوق المنكسر. هذا العقد المبرم بين عاشقين لم يتبق منه إلا القليل من الذكرى لاشعال شمس يوم آخر أبكي فيه أنتِ وعبث العشق المخضب برطوبة الشبق. أضعتك في منتصف الطريق ولم تضيعنني يا مريم. ماذا تبقى الآن. السؤال الذي يلتهم أرواحنا يا مريم ويمشى راقصاً كأنه خرج من عرس. نحن وليمة الندم. قربان للندم الذي زرعتهُ في راحتيك. راحتيك التي رمتني من الشباك.

قفزة يامريم

رمتني مريم في المرة الماضية، رمتني من الشباك إلى الشارع الرئيسي. والحمدلله أنني أتمتع ببنية جسدية قوية أو كنت تكسرت أو صرت مُقعداً لا سمح الله. ولا أعني أنني أحمل شفقة على المقعدين أو يتفطر قلبي من أجلهم، إنهم أناس مختلفين ومبتلين لا أكثر. لكن هذه المرأة لا أعرف كيف أتعامل معها. الفتيات كائنات غريبات بحق. كل مايمكن أن تفعله لا ينفع لرضاهن. آمنت بهذا منذ زمن بعيد. أول يوم إلتقيت بمريم كنت ساذجاً كفاية لأعتقد أنها المناسبة لأقضي حياتي معها – لازلت أؤمن بهذا حد الان.

كنت أقفز على طاولة من الخشب وحدي. أقفز وأضحك مثل المجانين. وقتها كنت أركض خلف مريم مثل كلب ألماني مُدرب. ركضت ورائها بكل الولع والاستغراق. وعندما توقفت من أجلي ومسحت على رأسي وأنا ألهث، صرتُ أقفز وأطير في سمائها. عيناها واسعتان وابتسامتها مشاتل من فرح إن كنتم تريدون معرفة القليل عنها. أقول عيناها عميقتان كـ بحر الظلمات. تلك العيون المخضبة بابتسامة ورضا. هذا الذي رمتني منه إلى الشارع الرئيسي. رمتني من عينيها إلى أقدام الغرباء المتسخة بالطين وأعقاب السجائر.

إنني مجنون لترميني مريم من نافذة غرفتها الصغيرة. المرة الأخيرة كنت أقفز فرحاً بمريم مثل الأهبل وكانت أمي تتابعني من وراء الباب. الأمهات مهووسات بالتنصت كثيراً. أمسكت فيني وهي في بكاء الأمهات. ترجوني أن أعقل وأكون ولداً مطيعاً. أنا لستُ مطيعاً يا أمي وأسئلي مريم.

بابلو نيرودا

أهواك ِ عندما تصمُتين فأنا أغيب ُ في هذا الصمت …
وأسمعُك ِ من بعيد وصوتي لم يلامسك ِبعد …
بدت لي تلك َ العيون ُتًحلق …
وبدت لي تلكَ الابتسامة الواضحة …
ووجداني أصبح يكسو كل الأشياء …
وحَلقت فراشة في أحلامي لامست روحي …
فبقيتِ رفيقا ً لروحي … في مجرد كلمات حزينة …
أهواك ِ من بعيد وأهوى صمتُك ِ مع هديل ذاك َالطائر …
وأسمعُك ِ من بعيد وصوتي لم يلامِسك بعد …
فدعيني أصمُت مع صمتك ِ..
ودعيني أخاطب ُ صمتك ِ…
مع ضوء ذاك القنديل …
فأنت ِ الليل بسكونه وكواكبه …
فصمتُك ِهو ذاك النجم البعيد الهادئ …
أهواك ِ عندما تصُمتين لأني أغيب ُ في ذاكَ الصمت ….
فأنت ِ بعيدة ومؤلمة مثل الموت …
كلمة منك ِ أو حتى بسمة تكفي ….
لأكون سعيداُ …ولكن تِلك السعادة لن تأتي .
من كتاب “مراكب العشق ” .


تغريدة تويتر

رميتُ في الذاكرة

Blog Stats

  • 57٬892 hits