Archive Page 2

عندما تكبرين!

فيما يلي ترجمة سريعة لإحدى قصائد ييتس الشهيرة (عندما تتقدمين بالعمر) أو (عندما تكبرين). حاولت فيها أن أقترب نحو المعنى قدر الإمكان متحفظا في تعاملي مع النص كوحدة لا يمكن التقليل من شأنها، ولا يغيب عنك عزيزي القارئ أن الترجمة بحد ذاتها تقتل روح النص. ولأكون معك متبسطاً في الحديث مايقصده المترجمون والأدباء بروح النص هو الصورة الشعرية والتركيبة الموسيقية للنص، أعني كل تلك الساعات الطويلة التي قضاها الكاتب الأصلي في تعديل الكلمات وشطبها لتخرج بصورتها النهائية التي يقدرها المتحدثون بذات اللغة. إنه إنتهاك خطير لقدسية النص لكن الرسالة الأسمى في إشراك أيها القاريء العزيز بهكذا إرث عالمي يعشقه الملايين من البشر حول العالم ويتداولنه في مجالسهم وأوقاتهم الحميمية دفعني إلى هذه الخطيئة. إن وجدت خلل أو سوء تعبير في هذه القطعة وتمنيت أو رجوت تغييراً فيها فإنني سأكون لك شاكراً ومرحباً فهذه القصيدة ليست من ربات إلهامي ولا يعيقني أمام سماع رأيك عزة الكاتب و غروره الشهير. وأعتذر لترجمتي التي مهما حاولت لن ترتقي إلى علو كعب النص الأصلي ورقته وإحساسه الجميل الفاتن. وأعتذر أيضاً إن لم تكن حرفية !

When You Are Old
by William Butler Yeats (1865-1939)

عندما تتقدمين في السن ويشيب شعركِ،

وأمام المدفئة تومئين برأسك من النعاس،

خذي هذا الكتاب،

إقرأيه ببطئ واحلمي بالنظرة الناعمة التي كانت لعينيك،

وظلال أهدابهما العميق.

كم رجلاً أحب أوقاتك السعيدة،

وأحب جمالكِ، زيفاً أو حقيقة!

ولكن رجلاً واحداً أحب روح الحُجاج فيك،

وأحب أسى التّغير في تفاصيل وجهك،

وعندما تنحنين نحو السياج المتوهج (متطلعة للنجوم)

همهمي بقليل من الحزن،

كيف هرب الحب وبسرعة فوق الجبال،

وأخفى وجهه وسط حشد النجوم

الرياض: الرسالة الأولى

يبدو أنني اخترت الإقامة في المدينة المقربة من عرش الشيطان“. الأكثر ولاءًا لوساوسه بشكل ملفت وإن لم يكن بها ماء“. إنني اخبرك هذا بكل أريحية ممكنة وأعرف الدهشة التي ستقتلك. أعرف هذا دونما شك يزعزع إيماني الأصيل بأن الحياة ابتسامة، لكنها المدينة التي يُسمونها بلا وجه حق بـ الرياض“! إن هذا الذي أجده فيها حقيقة راسخة لا تهتز بطاريء سار أو غيره يمكن حدوثه هنا إلا أن يُرسل الله ملائكته ليطهروا هذه البقعة من النجس. وإن كنتُ أجده مستحيل الحدوث بأي حال من الأحوال لأن هذه الأرض قد وصلت إلى مرحلة متناهية في النفاق والزندقة وما لا يمكن التطرق إليه أمام العامة!

الإقامة هنا، يارفيق الأيام الجميلة، تختلف عن جميع تجاربي السابقة في التنقل بين المدن. لا أجيد التعامل مع طبيعتها القاحلة. تعرف أنني نشأت بين بساتين القرية وحقول القمح في أنقى صور البساطة. عشت طفولتي بين النخيل وقطعان الماعز والآن أجدني في مدينة مترامية الأطراف، متباعدة النواحي. لم يُخيل إلي أبداً أن أسمع من أحدهم أن شمال المدينة غسله المطر بينما يتسخ شرقها بالتراب والغبار. أو أن أسير لمدة نصف ساعة بدون أن أجد شجرة أو طيور. ليس لأن الأشجار معدومة هنا، لكنهم يغرسونها في الطرقات، في منتصفها بالتمام حارمين البشر من منافعها ورطوبتها. إنه غريب بغرابة مزاج أهلها النزق أبداً، غريب بغُربة الابتسامة عن وجههم. الإقامة هنا يا ياصاحبي تحتاج إلى إيمان كبير برحمة الله وبأن الخير مازال موجوداً بين إسمنتها وحديدها.

لا أريد أن أن أتجاوز اللباقة في الحديث عن مدينتك، لكن يا صاحبي إنها ليست مدينة، ليست مكان يليق بالعيش للبشر. هذا المكان الذي كنتُ أتصوره مثل لوحة بديعة، رسمها فنان عريق من العصر الرومنسي، اهتم في تفاصيلها وألقى عناية فائقة لتمازج الألوان فيها، كان تصور طفل قرية يشده الفضول إلى اكتشاف العالم. .. تصحيح: الرغبة في اكتشاف العالم ليس من تخصص سذاجة الأطفال. إنها لوحة فعلاً لكنها لوحة لرسام مخمور غاضب، لم يجد أمامه إلا أن يضرب بريشته على ورقة بيضاء بلا هوادة إلى أن فقد وعيه.

أجدني مضطراً لأتعاطف معها سكانها بشكلٍ كبير. إنهم ليسوا بأحياء أبداً. ملامح وجوههم تقتلها الجدية والإنهاك. إنهم منهكون دائماً، محتارون أبداً، عابسون طوال الوقت. إنهم لم يعرفوا الحياة حتى هذه اللحظة، لم يعرفوا أن اليوم يبدأ بابتسامة وينتهي بثلاث ركعات شكراً للخالق. وبأن التحية التي إختارها لنا الاسلام كلها رحمة وبركات لا تنتهي. إنه شيء متناهي في الغرابة كيف يعيشون في خطب واضطراب متواصل تحت تأثير أقداح القهوة والشاي التي لا يعرفوا غيرهما. أن تكون المحادثة القصيرة مع الغرباء جافة تماماً وبدون أي تراحم ومودة.

لا أجد لحناً تكون عليها الوقائع هنا. الصباح يخرجون من بيوتهم مثل المجانين، يركبون سياراتهم ويهجمون على الطرقات مثل الصراصير النافرة من المبيدات. الصباح هنا حفلة صرايصر كبيرة. يتقاتلون عند كل منعطف، يبحثون عن الشتائم في كل منزلق، إنها حياة تكللها الشتائم واللعنات في كل وقت. إنني انصهر تحت شمسها وفوق اسفتلها وهذه الكآبة الجاثمة عليها. إنني في طريقي لأكون من أهلها يوما إثر يوم.

مزاج الناس وأفعالهم والطرقات والأسمنت والنفايات المتراكمة والشمس الحارقة. أوه والغبار والعواصف الرملية التي لا تتوقف. الغبار الذي لا نهاية له. حتى القهوة ليست بالطعم إياه ولا النكهة ذاتها. كل شيء إختلف علي وتغير حتى عاداتي التي لا يوافقني عليها أحد. كلها أصبحت بلا طعم ولا لذة.

إنها شقة من غرفة واحدة،، شقة صغيرة إختارتني قبل أن أختارها. بعيدة عن صخب المدينة ودخان عوادم مركباتها. إخترتها بعناية فائقة، أعني في حدود الخيارات المتاحة أمام شاب أعزب. فالأعزب هنا كلب كسير ضال لا أحد يقبل به إلا الخراب من المساكن والأماكن المشبوهة. هذه الشقة في مبنى مكون من طابقين، مدخلها بإتجاه الجنوب. غرفتي شمالية في الطابق الثاني. شمالية مثل صوت فيروز. إنها ممتدة بشكل طولي، أرضيتها من السيراميك الناعم وأثاثها بسيط جداً. تحمل الرقم 203، متوسطة باقي الشقق، بابها خشبي عريض، تجد دورة المياة أعزك الله – على يسارك. إنه نظيف وجديد بالكلية. صالة الجلوس مقابلة للباب بالضبط. أثاثها يحمل لون الخشب البُني الفاتح. وبها طقم من الكنب يتسع بالكاد لثلاثة أشخاص خفاف. وطاولة في المنتصف على شكل مثلث متساوي الأضلاع، إنه تصميم غبي لطاولة قهوة، لكن لا قول لي في هذا. إنني أعاني من مشكلتني هنا. التلفاز ودولاب الملابس. فالتلفاز صغير وليس من صناعة عالمية معتبره. إنه من جيل الأجهزة القديمة التي لا أحد يبيعها، ربما حراج بن قاسم كما يخبرني بعض الأصدقاء هنا. أما دولاب الملابس فتصميمه حديث نوعاً ما. إنه دولاب مكشوف، من يدخل غرفة النوم يستطيع أن يشاهد كل أشيائي بوضوح. ربما هذا يدفعني إلى شراء سلة للملابس المتسخة، ربما مستقبلا.

أتيت بمجموعة كتب ورميتها على الأرض، إنني لا أحب أن أضع الكتب على الرفوف إلا بعد أن أنتهي منها. إنها 13 كتاباً لم أرفع منها إلا واحداً فقط. لم أقرأ إلا إياه منذ أن مكثت هنا. لا أجد رغبة في ذلك ولا عزيمة على وضع الكتب المتبقية على الرفوف. أعتقد أن هذه البعثرة ستخلق إنطباعاً لزواري بأنني منهمك في القراءة دائماً. هه، أتمنى ذلك.

هذا ليس كل شيء. لكن أعتقد أنني سأمكث هنا طويلاً، لا أدري لماذا أفكر جدياً في البحث عن منزل لشراءه، أو شقة . لا أعرف لماذا لكنها فكرة مسيطرة على عقلي كل الوقت. إنني لا أدري فعلاً ماذا أفعل غداً. أفكر في جمع نصوصي ونشرها في كتاب، وأحياناً أفكر في كتابة رواية عن حارس مدرسة فتيات في القرية! عن رجل أربعيني طاهر يكافح من أجل لقمة العيش ولا أحد يرحب فيه. ويحسده باقي الرجال على وظيفته. إنه أعزب، كثير الحديث. ليس متعلماً ولا يعرف شيء خارج حدود القرية. بعيد عن هذا العالم العفن.

هذا كل ما أردت أن أحدثك عنه، عن هذه المرحلة الحرجة في حياتي وعن الرياض، وكل ما أردت قوله يا صاحبي أنني في أقاتل من أجل الحياة التي أعرفها في القرية، وكل الأشياء الجميلة التي تربيت عليها.

بعد إضافة بعض التعديلات

تفاصيل صغيرة

1

وسط جحيم هذه المدينة

أمشي عاري القدمين

حافياً فوق شوارعها الملتهبة

أبحث عنك بشغف الطفولة

وساعات اللعب البريئة

في أوقات الظهيرة

والمطر المتساقط من جبينهم

الأطفال الذين يلحقون بعربة البوضة

تحت الشمس الحارقة

2

هذه لم تكن قصة حب

تلك التي أحكيها عن عينيك الكهف المظلم

وزحام العابرين أمامهما

3

دخان العوادم

والغبار الأصفر الكثيف

يتبعني كطيفك

بين مبانيه التي تشبه الخوازيق

وتحوم حول لياليها سحابة من كآبة

4

إنني أحب هذا الجحيم

أكثر من أمي

وربما أكثر قليلاً

5

توقظني المآذن للصلاة

صلاة الهاربين إلى الموت

من أحلامهم الجريحة

6

تكون إشراقة شمس

وألحق بأكواب القهوة

ورائحة التبغ من بعيد

أيتها المتوجة على قلبي

و أسميك حرية !

7

يكون أن أتبع طيفكِ

في جميع المسارات

بلا هداوة!

8

وتأتين مبتسمة

تأتين برائحة القمح والياسمين

9

في هذا الحجيم

تكون حفلة شواء كبيرة

من اللحم البشري العاري

ويكون الموت غائبا

تماماً

مثل السعادة

View original post

حفلة اللحم العاري

Picasso: Blue Depression

1

وسط جحيم هذه المدينة

أمشي عاري القدمين

حافياً فوق شوارعها الملتهبة

أبحث عنك بشغف الطفولة

وساعات اللعب البريئة

في أوقات الظهيرة

والمطر المتساقط من جبينهم

الأطفال الذين يلحقون بعربة البوضة

تحت الشمس الحارقة

2

هذه لم تكن قصة حب

تلك التي أحكيها عن عينيك الكهف المظلم

وزحام العابرين أمامهما

3

دخان العوادم

والغبار الأصفر الكثيف

يتبعني كطيفك

بين مبانيه التي تشبه الخوازيق

وتحوم حول لياليها سحابة من كآبة

4

إنني أحب هذا الجحيم

أكثر من أمي

وربما أكثر قليلاً

5

توقظني المآذن للصلاة

صلاة الهاربين إلى الموت

من أحلامهم الجريحة

6

تكون إشراقة شمس

وألحق بأكواب القهوة

ورائحة التبغ من بعيد

أيتها المتوجة على قلبي

و أسميك حرية !

7

يكون أن أتبع طيفكِ

في جميع المسارات

بلا هداوة!

8

وتأتين مبتسمة

تأتين برائحة القمح والياسمين

9

في هذا الحجيم

تكون حفلة شواء كبيرة

من اللحم البشري العاري

ويكون الموت غائبا

تماماً

مثل السعادة

Brown Penny – W.B. Yeats

Image

I WHISPERED, “I am too young,”
And then, “I am old enough;”
Wherefore I threw a penny
To find out if I might love.

“Go and love, go and love, young man,
If the lady be young and fair.”
Ah, penny, brown penny, brown penny,
I am looped in the loops of her hair.

O love is the crooked thing,
There is nobody wise enough
To find out all that is in it,
For he would be thinking of love.

Till the stars had run away
And the shadows eaten the moon.
Ah, penny, brown penny, brown penny,
One cannot begin it too soon.

للأيام الجميلة يا رزان

20120309-231423.jpg

وأمنياتك تحيط بي يا صغيرتي
١٠ مارس ٢٠٠٨

The Love Song of J. Alfred Prufrock

 هذه محاولة لترجمة الجزء الأول من القصيدة الشهيرة لـ تي اس إليوت.  وفورالانتهاء منها سأقوم بشرح التلميحات والاسقاطات الكثيرة في هذه القصيدة 

لنمض إذن، أنت و أنا

عندما ينتشر المساء في السماء

مثل مريض مُخدر على سرير

لنمضي في شوارع نصف مهجورة

إنها مأوى التراجع

لـ ليالي الأرق في فنادق الليلة الواحدةالرخيصة

والمطاعم المفروشة بنشارة الخشب وأصداف المحار

الشوارع التي تتابع كنقاشٍ ممل

بنوايا خبيثة

لتدفعك إلى سؤالٍ مٌلح

آه، لا تسأل ما هو؟ دعنا نمض، ونقم بزيارتنا

 

في الحجرة، النساء يجئن و يذهبن

يتحدثن عن مايكل أنجلو

 

الضباب الأصفر الذي يحك ظهره في زجاج النافذة،

الضباب الأصفر الذي يحك أنفه في زجاج النافذة،

لعق بلسانه زوايا المساء،

تسكع فوق البرك التي تجمعت في مصارف الأمطار،

ترك السخام المتساقط من المداخن يسقط على ظهره،

إنزلق عبر الشرفة

قفز فجأة،

و عندما رأى أنها ليلة من ليالي أكتوبر الناعمة

تكور على نفسه بجوار المنزل، ونام

 

طبعاً سيكون هناك وقت

للدخان الأصفر الذي ينزلق بطول الشارع

فاركاً ظهره في زجاج النوافذ

هنالك وقت .. هنالك وقت

لتعد وجهًا تقابل به الوجوه التي ستقابلها؛

سيكون هنالك وقت لتقتل و تخلق،

و وقت لكل الأعمال وأيام الأيادي *

التي ترفع سؤالاً ثم تلقيه في طبقك،

وقت لك، ووقت لي

ووقت أيضًا لمائة تردد

ولمائة تصور وتعديل

قبل تناول قطعة توست وشاي.

 

في الحجرة، النساء يجئن و يذهبن

يتحدثن عن مايكل أنجلو

 

حتمًا هناك وقت

لأتساءل : “هل أجرؤ ؟، و .. “هل أجرؤ ؟

وقت لأعود أدراجي وأهبط السلم؛

ببقعة صلعاء في منتصف شعري

[سيقولن: يالشعره وقد بدأ يخف]

ومعطفي الصباحي وياقتي المشدودة بإحكام إلى ذقني

ربطة عنقي الأنيقة المتواضعة لكنها مثبتت بدبوس بسيط

[سيقولن: لكن ما أنحف ذراعاه و ساقاه]

هل حقا أجرؤ على أزعاج العالم؟

في الدقيقة هناك وقت

لإتخاذ القرارات والتراجع عنها

مما سوف تعيدها دقيقة أخرى !

 

ذلك لأنني قد عرفتهم جميعًا قبل هذا، عرفتهم كلهم

قد عرفت الليالي و الصباحات و الأصائل

لقد قستُ كل حياتي بملاعق القهوة

أعرف الأصوات التي تتوارى بوقع خافت *

خلف الموسيقى الآتية من غرفة بعيدة

فكيف إذن أجرؤ؟

توماس جيفرسون والمبتعثون

إن أكثر مايؤلمني عند الحديث مع صحبتي عن الولايات المتحدة الأمريكية وثقافتها وتاريخها هو الجهل الكبير الذي يعيشون فيه. إن صورة هذه الدولة لديهم لا تتعدى المغنين والممثلين والأشياء الدنيئة كما تضعها أمامنا الماكينة الإعلامية. لا تستطيع أبداً إقتصار ثقافة معينة في جزء بسيط كهذا أو حشرها في سلة المهملات كما يفعل البعض. الله سبحانه وتعالى كلف كل مسلم بحمل رسالة الدعوة إلى الإسلام إلى كافة شعوب الأرض التي يقابلها. ولن يتمكن أحد على الإطلاق من حمل رسالة جديدة ومنظومة دينية وأخلاقية إلى شعب آخر دون أن يعرفه ويفهمه جيداً.

لا يمكن التطرق للحديث عن أمريكا دون الحديث عن كاتب مسودة إعلان الإستقلال الأمريكي والرئيس الثالث لهذه الدولة الفتية حينها توماس جيفرسون – 1743-1827“. هذه الشخصية التي لا تتكرر أبداً ولا يوجد لها شبيه في التاريخ الحديث ماتزال مثاراً للجدل والدراسات للمهتمين في التاريخ والسياسة الأمريكية. هل يمكننا التطرق لجيفرسون دون أن ننظر إلى أسطورته في التاريخ الأمريكي كرئيس ودستوري ومعارض سياسي ومزارع ومبتكر ومفكر وموسيقار وكاتب ومحامي وأب وأرمل ومالك عبيد ومهندس معماري ومصمم مناهج دراسية ومؤسس لجامعة فيرجينا.. إلى الدرجة التي قال عنه الرئيس الراحل جون كينيدي في حفل تكريم الفائزين بجائزة نوبل عام 1962، أنه لم يجتمع مثل هذا العدد من المفكرين والموهبين والمثقفين في البيت الأبيض إلا عندما كان يتعشى هنا توماس جيفرسون!

هذا الرجل الذي إنسحب من المحاماة لعدم قدرته على الخطابة وصوته الرخيم، الذي كما يقول عنه صديقه المقرب وعدوه لفترة الرئيس الثاني للولايات المتحدة الأمريكية جون آدمزأنه طوال فترة خدمته في الكونجرس القاري قبل الثورة وبعدها لم يتكلم إلا ثلاث مرات!!

أتت حرب الخليج وإستيقظ جيلنا على الحلم الأمريكي والقوة الكبرى في العالم في إنبهار ودهشة كبيرة. إلى الدرجة التي أتذكر أنه في حديث عائلي في قريتي الصغيرة في نجد سألنا أخي الصغير الذي يتطلع إلى أولى خطواته في التعليم، ماذا يريد أن يكون حين يكبر؟ ويجيب على والدي بدون تردد بأنه يود أن يكون طياراً حربياً أمريكياً. أعني بهذه الحادثة الشخصية جداً بالإشادة أو التنبيه على حجم تغلغل الإعجاب بهذا الشعب الغريب عنّا والدولة التي أتت لتسعف إخوتنا في الكويت وتضع كل ثقلها تأثيراً على عقول وتفكير هذا الجيل القادم في المملكة. ثم أتى لدينا هذه الثقافة الغربية بكل جوانبها الجيدة والسيئة في وسائل الإعلام مثلما أصبحت الطعام المحبب في الأحاديث العائلية والمناسبات الإجتماعية الخاصة. لكن في الحقيقة ماذا نعرف عن هذه الدولة التي يريد أحد أبنائنا أن يكون سلاحاً في قواتها الجوية!

هذا الرمز، الأسطورة، الأب، توماس جيفرسون هو الشخصية التي يمكن أن تعرف منها كل ماتحتاجها عن أسباب قيام الثورة الأمريكية ووولادة هذه الدولة التي أصبحت تحرك العالم أجمع كيفما تشاء.

Thomas Jefferson

هذا الرئيس الأمريكي هو الذي قام بأول إفطار في شهر رمضان للمسلمين تكريماً للسفير التونسي عام 1805، و هو صاحب النسخة المترجمة من القرآن الكريم التي أقسم عليها أول سناتور مسلم في تاريخ أمريكي. ولا أعني أنه كان يميل إلى الإسلام بأي شكل من الأشكال. لكنه كان شخصية عظيمة لم تضع فقط بصماتها في التاريخ الأمريكي لكن خلدت إسمها إلى الأبد. وقد لمح إلى هذه الحادثة الرئيس الحالي باراك أوباما في أول طعام إفطار يقيمه في البيت الأبيض عام 2009.

كانت أولى قراءاتي عن توماس جيفرسون في خريف 2009 عندما قرأت مقالة في جريدة نويورك تايمز عن العلاقات الصينية الأمريكية. وأذكر أن أكثر ما شدني وقتها أن المقالة تطرقت للحديث عن السيد جيفرسون وتعلمه اللغة الصينية قُبيل وفاته. – للمعلومية توفى السيد جيفرسون وهو يجيد الفرنسية والإيطالية واللاتينية والإغريقية والأسبانية وأكثر من 12 لهجة من لغة الهنود الحمرأعني أي عقل بشري يقضي لحظات عمره الأخيرة وهو يتعلم لغة جديدة؟و لأكتشف بعد هذا أن الكرسي المتحرك الذي أستمتع بالجلوس عليه هو أحد أختراعات السيد جيفرسون.

إن أهم ورقة مخطوطة في العالم هذه الأيام هي الورقة التي تحمل إعلان الإستقلال الأمريكي. الورقة إياها التي كتبها توماس جيفرسون وعرضها على رفقائه في لجنة كتابة إعلان الإستقلال جون آدمز وبنجامن فرانكلين – بالمناسبة هو رئيس اللجنة وأصغر شخص فيها ليراجعوها وإقترحوا تعديلات بسيطة عليها أثارت غضبه ليقول لهم بصوته الرقيق أن كل كلمة في هذه الورقة مُنتقاة بعناية فائقة وإستغرقته 17 يوماً قضاها في كتابة ومراجعة هذا النص التاريخي وكان ملاذه الوحيد وتسليته هو العزف على الكمان في شقته الصغيرة في فلاديلفيا.

هذا الرجل الذي أحاول تسويقه لكم يا أصدقاء كتب إلى أحد أصدقائه يخبره أن بيته وكل مايملك إحترق وهذا لا يهمه أبداً لكنه يكاد يموت من القهر لإحتراق مكتبته وضياع كتبها التي تفوق 6000 كتاب ويطلب منه أن يرسل له مجموعة من الكتب في أول رحلة له إلى بريطانيا العظمى.

إنني أتطرق للحديث عنه وأتذكر رسالة كتبها إلى أحد أصدقائه يحذره من إرسال إبنه إلى الغُربة حيث ينبه على أن ارسال ابناء امريكا الى بريطانيا وفرنسا للدراسة في ضرر كبير، حيث يتعلم الفتية ثقافة مختلفة وعادات لا تتوافق مع المجتمع الأمريكي. كان يشدد على ان الفتى الامريكي المبتعث سيتعلم شرب الخمرة و الاعتياد على حياة الترف والاستقراطية الطاغية هناك. ربما أنني أذكر هذه الحادثة من أجل العريفي وأمثاله. لكن الحقيقة أن المسألة أكبر من هذا الشيء وتتعداه إلى ما هو أهم من سفاسف الأمور. إننا بحاجة إلى تعريف أبنائنا بشخصيات مثل توماس جيفرسيون وأثرها في التاريخ الأمريكي بدلاً من هوليود وأغاني الهيب هاب والمسلسلات الأمريكية. إنهم بحاجة إلى معرفة الرجل الذي قال ذات يوم أنه لمدة 50 عاما لم تشرق الشمس قط إلا و أنا قد غادرت فراشي“.

 

بعض المقولات لتوماس جيفرسون:

انني من اشد المؤمنين بالحظ واجد انني كلما اجتهدت في عملي كان حظي أوفر.

النصر والهزيمة يكلفان نفس الثمن.

حينما يتعلق الأمر بالأسلوب، اسبح مع التيار، لكن حينما يتعلق الأمر بالمبادئ، قف كالصخرة.

ثمن الحرية هو اليقظة الأبدية !!

حينما ترتكب الأخطاء إيماناً بأنه بالإمكان تحملها والتغاضي عنها، تكون المقاومة فعل أخلاقي.

ماهي الحكومة التي تحتفظ بحريتها إن لم يتم تحذير حكامها من وقت إلى وقت أن المواطنين يمتلكون روح المقاومة عندما يخشى الشعب حكومتهم يكون هناك طغيان، عندما تخشى الحكومة شعبها تكون الحرية.

كل مايتطلبه الطغيان للوجود هو ابقاء ذو الضمير الحي صامتين.

كم من الآلام تكبدنا بسبب الخوف والقلق من وقوع مصائب لـم تقع أبداً.

من لا يقرأ شيئا على الإطلاق أكثر ثقافة ممن يقرأ الصحف فقط.

لا تشتري ما لا تحتاج لرخص ثمنه، فسوف يصبح عزيزاً عليك.

هذه التدوينة بذرة لبحث مطول عن السيد توماس جيفرسون/ أسأل الله أن يهبني القوة والوقت لإتمامه. آمين

صحابة هذا الزمان

آل سعود صحابة هذا الزمن

سبحان الله القادر على كل شيء.

في مقالة الأستاذ خالد الفارس المنشورة في جريدته صوت الشعب! – الجريدة التي رسالتها الخبر بدون تحيز !! – والتي جعل آل سعود صحابة هذا الزمان ولهم الفضل في بناء الوطن ورفاهية المواطن وكل شيء. لم يخطر بباله أبداً التضحيات التي قام بها آبائنا وأجدادنا من أجل هذه الأرض التي لنا فيها الحق مثلما لآل سعود متشاركين متساوين في الحقوق.

لا أعلم كيف يكون رئيس تحرير موقع إلكتروني بهذا الفكر الضحل والسخافة المتناهية ويرمي شقاء وجهد 27 مليون مواطن ساهموا في بناء هذا البلد في سلة المهملات وينسبها للأسرة الحاكمة. ويجعل كل شركة ومدرسة  وطريق معبد منسوب لجهد الأسرة الحاكمة وفضلها على المواطن الذي لا يقدم ولا يؤخر في نظر الفارس! فنحن في عيني الفارس نائمون في بيوتنا ولا نفعل أي شيء.

هذا الأعمال الجبارة التي قامت بها الدولة هي من أموال النفط الذي تصب عائداته في بيت مال المسلمين وليس في بيت آل سعود ويصرفونه على من يشائون. وإن كان الملك عبدالله حفظه الله قد أمر بكل هذه المشاريع الجبارة التي ستكون حجر الأساس في تنمية البلد وجعل وطننا مصدر فخر في المستقبل فليس هذا تكرماً منه ولا منّة. إنه واجبه وحق عليه حين أصبح ملكاً وبايعناه على أن يكون ولي أمر هذه البلد ورأسها. أقول أن هذه المشاريع والأعمال بنيت على أكتاف مواطنين شرفاء بعرقهم ووطنيتهم وأحلامهم بالمستقبل الباهر لهم ولأبنائهم، بحب الأرض الذي لا أعرف كيف يفهم من هم على شاكلة الفارس وشلة النفاق الإعلامي.

ولا تأخذوا كلامي بسوء فهم، ففي رقبتي بيعة للملك عبدالله وولي عهد نايف، بيعة لا أتنصل منها ولنا في عليهم أن يحكمونا بشرع الله ويديرون هذه الأرض بما يحقق العدالة و الرفاهية للمواطن ويحسنوا استخدام موارده يكونوا أمنا يراعون الله في حكمهم. وهم مسئولون أمامنا عن كل عمل يقومون به.

الملك لا يفعل كل هذا لوحده، إنه المواطن السعودي الذي يكدح ويضحي من أجل بناء الوطن وتنفيذ الأوامر الملكية.

هذه المقالة التي تفضح الفهم الخاطئ للوطنية والجهل التام بالحرية والفهم الضعيف لحقوق المواطن على الملك وحقوق الملك على المواطن. لكن العيب الأكبر فيها هو هذا التملق والتزلف.

سبحان الله

بطل لوس أنجلس

Shervin Lalezary

قبل أيام تمكن شرطي أمريكي في مدينة لوس أنجليس من إلقاء القبض على مفتعل الحرائق الذي روع أهالي ضاحية هوليود لأكثر من شهر بـ 35 حريقاً توفى جراءها طفلة وأكثر من 50 سيارة. كان خبراً مفرحاً، تقول الرواية الرسمية أن الشرطي شيرفين ليليزاريا تمكن من إلقاء القبض على المشتبه به في الثالثة فجراً. وطوال الأسبوع التالي تلقى هذا الشرطي تكريماً وحل ضيفاً على أكثر من برنامج – منها برنامج إلين ديجينيريس الشهير. هذا الشيء فعلاً حيرني كثيراً.

الرجل صادفه الحظ في أن يجد سيارة المشتبه به في طريق عودته لمركز الشرطة وألقى القبض عليه. لا شيء مميز لا فعل بطولي ولا يحزنون. لكن الحقيقة أن هذا الشرطي الذي يعمل نائب شريف إحتياطي منذ أربع سنوات يوماً واحد في الأسبوع مقابل دولار واحد في السنة.

أقول أنه يستلم 1 دولار في السنة كاملة. دولار واحد لا يكيفيه ليشتري كوب من القهوة ولا يكفي لأي شيء بأي مقاييس يمكن أن تتخذها، إلا إذا إنتظر طوال هذه الأربع سنوات من العمل ليشتري كوب قهوة واحد من ستار بكوس.

هذه الروح الوطنية – إن أردتم أن أصفها لكم بكل النعوت والكلمات الجميلة التي تتردد على صفحات جرائدنا وأحاديث المهتمين بالوطنأعني هذا الشخص إقتطع 12 ساعة من إسبوعه لمدة أربعة أعوام من أجل أن يخدم مجتمعه وأهالي مدينته مقابل دولار واحد في السنة. سبحان الله.

قبل أن يمر علي هذا الخبر، كان هناك خبر عن المغني المراهق جستن بيبر، الذي تبرع بعائدات عطره للأعمال الخيرية وتبرع بـ 200 ألف دولار لمدرسة أبناء المشردين. ومشروع الممثل الشهير براد بيت في توفير السكن لمتضرري إعصار كاترينا في مدينة نيو أورنيلينز. في مقابل التبرع الذي قامت به إدارة النصر السعودي لجمعية الأطفال المعاقين في المدينة المنورة ونسيت أن تعطيهم المبلغ !

هذه الثقافة التي توشك أن تكون معدومة في مجتمعنا تحتاج إلى ثورة فكرية وإجتماعية. لا يعقل أن نربي الأجيال أن التصدق على الفقراء والمحتاجين يكون بالمال فقط. الأموال لا تحل أي شيء. هذا الفكر المضعيف سيجعل الأجيال القادمة بشرُ ماديّ يعتقدون أن المال هو الحل لكل معضلة.

عدد الجمعيات الخيرية بالمملكة بكل أنواعها لا تتعدى 591 حسب موقع وزارة الشؤون الأجتماعية بينما في مدينة دالاس – في ولاية تكساس هناك 789 جمعية خيرية ! وليس الكم هو الفارق الوحيد هنا. إنها الثقافة التي يتربى عليها الأطفال في هذه المدينة. إبتداءا من برنامج الفتيات ” girl scout cookies“ الذي يدفع بالفتيات إلى بيع البساكيت والحلويات ثم إستخدام العائدات في برامج تهتم بالفتيات وإنشاء البرامج التعليمية من أجل تأمين مستقبل مشرق لهم داخل مجتمعاتهم. وإنتهاءا بجمعية “Meals on Wheels” الذي يُعنى بكبار السن الذين لا يعتني بهم أحد ويقوم بتوفير وإيصال الثلاث وجبات الرئيسية لهم. – كان لي الشرف أن أكون متطوعاً في هذا البرنامج لمدة شهر كامل.

هذا الإختلاف الكبير بين ثقافتينا مخجل ومخزي أكثر من بهو ماريوت وهذا الزعاق حول قضايا تخص تيارات معينة يضيع فيها الانسان السعودي البسيط ولا يستفيد شيئاً. يتكلم مثقفونا عن بناء الوطن وكل المصطلحات الكبيرة التي لانفهمها وينسون أن التغيير والبناء يكون من الفرد أولاً


تغريدة تويتر

رميتُ في الذاكرة

Blog Stats

  • 55٬151 hits