Archive Page 3

كتاب أبي ومكتبة عنيزة العامة وتوماس جيفرسون

كان جيم الرقيق يركض نحو المدينة إلى مكتب سيده توماس جيفرسون، يركض بكل قوة يمكن أن يتحملها جسده النحيل. فتح باب المكتب وهو يصرخ سيدي سيدي سيدي“. إنتبه له سيده توماس وأغلق الكتاب الذي يقرأه وقال:” ماذا تريد يا جيم“. أجابه بصوت مبحوح:” البيت إحترق ياسيدي“. توماس أصابه الذعر وإحمر وجه بسرعة: “ ماذا عن كتبي؟“!!
في الأيام اللاحقة قام السيد توماس جيفرسون بمخاطبة دور النشر في قارة أوروبا ليمدوه بالكتب التي إحترقت ويدفع الغالي والرخيص من أجل الحصول عليها وفي مقدمتها أول ترجمة للقرآن الكريم!
يخبرنا التاريخ أن السيد توماس جيفرسون أعاد بناء مكتبته في عشرين سنة ليتبرع بها للحكومة الأمريكية لتصبح فيما بعد مكتبة الكونجرس، المكتبة الأعظم في تاريخ البشرية حتى هذه اللحظة.

أعتقد أنه وقت ظهيرة في يوم خميس صائف بالتحديد. أتذكر أن طعام الغداء كان جاهزاً ونحن بإنتظار عودة أبي من مدينة عنيزة بمنطقة القصيم التي يربط القرية بها طريق واحد وتبعد مسافة ساعة بالسيارة إن كنتم مهتمين بتفاصيل أكثر عنها. ولا حاجة لي لأسترجع هذا الآن لأنها مازالت المدينة الأقرب لنا والمكان الوحيد للتسوق لجميع حاجيات الأسرة والملتزمات الزراعية التي تحتاجها عائلة تمتهن الزراعة لكسب العيش. كنت طفلا كما يمكن أن تصنفوني وفي أولى خطواتي نحو أرض الرجال كما أريد أن أراها<span style=”font-family:Traditional

Arabic;”>.

والدي كان في رحلة من أجل شراء آلة حصد جديدة لمحصول البرسيم، ربما أنه البرسيم أو غيره. كنت في الحادية عشر من عمري وقتها. لم يكن هناك إلتزام بموعد أكل الطعام عندما يكون أبي في مشوار بعيد. لكنني ابن أبي ولم أمدُ يدي للطعام أبداً وأنا أعلم أنه في طريقه للعودة للبيت وهو لم يكن يمانع هذا أبداً، أعني أن نأكل قبل عودته. لدينا مواعيد محددة للطعام في المنزل لا نحيد عنها أبداً. طعام الإفطار
يكون بعد صلاة الفجر بساعة واحدة تماماً، والغداء والعشاء بعد إنتهاء الصلاة مباشرة
. هذا الشيء لا يمكن أن يتغير أبداً. وأجدني ملتزما به بشكل غير إرادي حتى هذا الوقت. أتذكر أن غداء يوم الخميس كان دجاج محمر بالفرن ورز وسلة فواكة، طعام الغداء لايتغير أبداً في فصل الصيف. يومٌ لحم ويومٌ دجاج أما رز بسمتيفهذا يبقى ثابتاً كموعد طعام الغداء مع لبن النعاج وسلة الفواكة. الرز للمعدة النجدية مثل الوضوء للصلاة، لا قبول للأخيرة إلا بالأولى. لا أدري من سن هذه السُنة، أمي أم أبي، إن أردتم الحقيقة.
والدي شخصية قليلة الكلام، كتوم بطبعه، لا يحبذ الكلام فيما هو غير ضروري، وقليل الإبتسام. لا أدري عن الصفة الأخيرة إن كانت جيدة لكنها تضفي على شخصيته الكثير من الهبة والإحترام. ملامح وجهه لا تتغير أبداً. لمن لا يعرفه عن قرب، لا يمكن التنبوء بمزاجه من تفاصيله. لكن لا تأخذكم أفكار كثيرة، والدي يحب المزاح كثيراً عندما يكون في مزاج يسمح له. لكنه في تلك الظهيرة كان منزعجاً بشكل كبير. وعندما تكلم، صب كمية من الشتائم لابأس بها على رأس مكتبة عنيزة الوطنية!
أحببت القراءة والكتب من والدي، وكان يوم الخميس هذا هو المرة الأولى التي أتسائل لماذا يغضب الإنسان من مبنى كبير يحمل أمهات الكتب. وقتها عرفت أن أبي إعتاد أن يستعير كتاباً كل اسبوعين من مكتبة عنيزة الوطنية. ويخصص له وقته بعد طعام العشاء حتى الساعة العاشرة ليلاً او الحادية عشر في قراءته. كتاب عن تاريخ شبه الجزيرة العربية و رفضت المكتبة إعارته الكتاب إلا برهن بطاقة الأحوال الشخصية مكانه حسب نظام جديد أصدروه وقتها في أوائل التسعينات الميلادية. كان أبي غاضب بشكل لم أعرفه وقتها.
منذ تلك اللحظة بالتحديد ابتدأت رحلتي مع الكتاب وعلاقة خاصة مع والدي. كنت أستيقظ صباحاً وأنتظر وقت وجبة العشاء لأجلس وأقراء كتاباً كما يفعل والدي في صالون الرجال – كلما عدت إلى القرية ، صالون الرجال هو صومعتيكانت لدينا مكتبة متواضعة جداً، يغلبها الطابع الديني. قرأت فيها البداية والنهاية وزاد المعاد وتفسير ابن كثير وبلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب وشاكلتها. وعندما انتسبت لجامعة الملك فهد بن عبدالعزيز في عام 2001 تعرفت لكتب الجابري وعالم الروايات وكتب الإدارة وكل مايتوق إليه شاب يعشق القراءة. كانت أياماً جميلة وأصبحت لدي عادة بأن أهدي والدي كتاباً كل شهر. محاولاتي الأولى كانت فاشلة ثم بعدها في حديث مقتضب بيننا عن التاريخ أخبرني أن التاريخ الحقيقي يكون في كتب السيرة الذاتية. مقولة قرأتها بعد هذا لأحد الكتاب الغربيين ولا يحضرني الإسم الآن.
إنني ممتن لهذا الخميس، ولكل الليالي التي قضيتها مع والدي في قراءة أمهات الكتب. إنني أتذكر هذه الحادثة الآن وأنا على وشك العودة إلى أرض الوطن بعد غربة إستمرت 4 سنوات. السنتان الأخيرتان لم أتمكن من العودة للوطن فيها. أقول أنني أتذكر هذا الحدث لأنني لا أدري كيف أتعامل مع مكتبتي الصغيرة هنا. لا أستطيع التفكير بأي شيء آخر الآن إلا هذه الكتب. أكثر من 200 كتاب في الفلسفة والتاريخ والأدب والسير الذاتية تمنعني التكلفة العالية جداً من حملها معي إلى المملكة. ويمنعني خوفي الأكثر عليها من سلطة الرقابة والأخطاء البشرية أن تضيع ولا تعود إلي. إنها مكتبة حرصت فيها على إقتناء أهم الكتب والأعمال التي أحتاجها في رحلتي الفكرية والعلمية وربما الترفيهية. من الموسوعة الفلسفية لـ الدكتور عبدالرحمن بدوي إلى الكوميديا الإلهية لـ دانتي. ولن تصدقوني إن أخبرتكم أنني أقضي جل وقتي هذه الأيام في التنقل بين هذه الكتب وإعادة قراءتها.
ربما أنني سأتبرع بالكتب العربية لأحد المطاعم العربية التي إعتدت إرتيادها. فكرت أن أهديها للمسجد لكن بعضها ملوث بالحديث عما لا يقبله بشر. ربما أنني سأضعها في مقهى بيروت في مدينة آرنلقتون ولاية تكساسوأبيع الكتب الإنجليزية. وغداً، غداً عندما أعود لأرض الوطن أعيد بناء مكتبتي كما فعل تومس جيفرسون.

جزيرة القيامة

لغز جزيرة القيامة

جزيرة القيامة أو العيد كما أطلق عليها المكتشفون البرتغال، هي جزيرة مثلثة الشكل تقع في المحيط الهادي في الغرب من جمهورية تشيلي بحوالي 2600 كيلو. هذه الجزيرة التي تحيط بسواحلها تماثيل “المواي”. هذه التماثيل الحجرية العملاقة ذات الهيئة البشرية وضعها السكان الأصليون مولية أدبارها للبحر ومقبلة بوجوهها إلى الجزيرة.

هذه التماثيل كلها متشابهة وتتشارك في نفس التفاصيل. يصفها المتحف البريطاني بأنها ذات حواجب ثقيلة وآذان متضخمة وفتحات أنف بيضاوية الشكل، كما أن عظام الترقوة بارزة، وكذلك الحلمات. وتتميز الأذرع بأنها رفيعة ومضمومة إلى الجسد، أما الأيدي فتكاد تكون غير ظاهرة. وتتراوح أوزانها بين أربعة أطنان للتماثيل الصغيرة و50 طناً للتماثيل الكبيرة وبإرتفاع 32 متراً

اللغز الذي حير علماء الآثار هو كيف تم نقل هذه التماثيل التي نحتت في جبل بركان في أبعد نقطة في الجزيرة إلى أن تكون على سواحل الجزيزة كأنها حراس؟!

إن أول شيء ما لاحظه المكتشفون البرتغال هو إنعدام وجود الأشجار في الجزيرة. وهو الأمر الذي خلق الكثير من الأساطير حول إنتقال هذه التماثيل وطريقة نحتها. حيث مازالت هناك إسطورة محلية في الجزيرة أن مخلوقات فضائية هي التي نحتت ونقلت هذه التماثيل. وهذا أمر يخضع لنقاش وجماهيرية كبيرة لدى المؤمنين بالمخلوقات الفضائية. حيث لا تفسير لطريقة نقل هذه التماثيل العملاقة إلا بتدخل قوى خارجية تفوق القدرات البشرية المحدودة. ودعم هذا التأويل هو أنه لا وجود لأشجار تساعد في عملية نقل التماثيل.

إن الله يمهل ولايهمل.

أثبتت الدراسات الأثرية أن التماثيل بدأت في الظهور في حدود الألف السنة الأولى الميلادية. وأن الجزيرة في ذلك الوقت كان بها أكثر من 21 نوعا من الأشجار، خاصة النخيل. ويكثر بها الطيور والأسماك ولديها إكتفاء غذائي ذاتي لكن في القرن الخامس عشر 1600 حدثة كارثة في هذه الجزيرة. ولمحت هذه الدراسة إلى إنتشار مجاعة وتصحر دفع الناس إلى أكل موتاهم وربما أحيائهم أيضاً.

سكانها الأصليون، إنقرضوا الآن، كانوا يقومون بقطع الأشجار من أجل إستخدامها في نقل تماثيلهم على إمتداد 600 سنة متواصلة. هذا الإخلال بالتوازن البيئي أضر بمحاصيلهم الزراعية، ودفع الطيور إلى الهجرة بأعداد كبيرة من الجزيرة. شيئاً فشيئاً إلى قطعوا آخر شجرة في الجزيرة. الطيور هربت وهي التي تساعد الأشجار في نقل البذور مقابل أن تأكل ثمارها. هذا الخلل الذي أحدث القطع الجائر للأشجار لم يترك مجالاً أمام الطيور إلا أن تهرب وتهاجر إلى مناطق أخرى. هذا بحد ذاتها كان له تأثير غير مباشر على الثورة السمكية التي أصبحت الوحيدة المتبقية لتسد جوع أهالي الجزيرة.

شيئاً فشيئاً لم يتبق للسكان الأصليين إلى أن يجابهوا مجاعة وجفافاً وتصحر هم المتسببين فيه. لم يرسل عليهم الله ملائكته لتعاقبهم لكن جعل عقابهم بأيديهم عندما أخلوا التوازن البيئي وقطعوا الأشجار

رُوي عن علي بن أبي طالب عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
قال: «أكرموا عمتكم النخلة فإنها خُلقت من فضلة طينة أبيكم آدم، وليس من الشجر شجرة تلقح غيرها، وليس من الشجر شجرة أكرم على اللَّه من شجرة ولدت تحتها مريم بنت عمران، فأطعموا نساءكم الوُلَّد الرُّطب، فإن لم يكن الرطب فالتمر»

لا أجيد هذا

إنني على وشك أن أنهي هذه الرحلة الطويلة المتعبة في الغربة. شارفت على الإنتهاء من أربع سنوات بعيداً عن والديّ وإخوتي وأقاربي وصحبتي الجميلة. وأحمد الله على كل شيء.

إنها لم تكن بالرحلة الهينة أبداً. كنتُ في بداية رحلتي أستهين بالبُعد عن الوطن. عن تراب نجد ورائحة القمح وظلال النخيل. كنتُ أعلل نفسي بأنني أعيش غربتي بين ثنانيا نجد. يالهذه الفكرة السخيفة. ولم أتوقف عند هذا الحد أبداً. منيتي نفسي بالحرية المنتظرة في الغربة. بكل ماهو جميل وخيّر. ولم أكن أدري أبداً أن لا أرض تحتملك مثل الأرض التي تطأها قدمي أمك ويُسجد على ترابها أباك وتلعب كرة القدم مع إخوتك عليها.

إنها أربع سنوات طويلة. أربع مُرة كالعلقم، عفنة مثل جثة بهيمة لم يخفف من وطأها إلا صوت أمي ورفقة طيبة صادفتها هنا.

قضيت أول سنة في سياتل. إنني أسجلها إعترافاً الآن. السنة الأولى كانت من أجمل مايمكن. كانت تفرغاً للقراءة والكتابة. كانت نزهة بكل ماتعنيها الكلمة. لم أعرف تلك النكسات التي تأتي على حين غرة وتفاجأك بغيمة من الكآبة لا تنتهي إلا بمرور أيام معدودة. كانت أيام تمضي وأنا لا أبارح مسكني في السنوات التالية. ووصلت بي الحال إلا الإنقطاع عن بعض المقربين لي. لم أجد فيها أي رغبة للتواصل الإجتماعي ولا الحديث.

إن أشد مافي الغربة هو إعتيادك الحديث مع الغرباء. أن تفتح قلبك لهم بدون أي شروط وتتحدث. ولا أجد اللياقة لأرسم لكم صورة عما يمكن أن يكون من هذا الأمر. ولا تنتطلقوا بعيداً وتعتقدوا أن المشكلة في الغرباء ورحيلهم أو رحيلك عنهم، لا وألف لا. المصيبة التي لا يمكن أن تتجاوزها هو أن تغلق قلبك عن المقربين لك. أن لا تحادثهم بتطلعاتك وأحلامك وربما همومك ومخاوفك. إنه شيء لا تلاحظه إلا بعد مرور وقت طويل وتشاهد بعينيك عتب المقربين منك.

أشد مايؤلمني هنا أنني فقدت نافذة التواصل الخاصة التي تجمعني بأخي الأكبر خالد، إلى درجة أنه يحمل عتباً كبيراً تجاهي حتى هذا اليوم ومازلت أخجل من الإتصال به. إنه شيء تتعلمه في الغربة أن تتجاهل العلاقات البشرية بشكل كبير. أنك تخلط بين الخوف من الغرباء والبعد المكاني عن المقربين لك.

إنني أريد أن أرفع الهاتف واخبر خالد أن السبب الوحيد الذي دفعني إلى الإغتراب وإكمال دراستي هو خالدبذاته. أن كل ما أريده هو أن أعود إلى أرض الوطن وأهدية شهادتي وأقبل رأسه.

Blue Valentine

لم نصل إلى القاع حتى الآن

هذه العبارة التي تعبر عن المائة دقيقة من الفلم وتترك لك الإثنى عشر دقيقة المتبقية لترتطم بالقاع. أعني قاع النهاية في الزواج والعلاقة العاطفية. أن تشاهد زواجاً إستمر لعقد كامل ينتهي في عطلة الإسبوع. إنه فلم فلانتاين الأزرق من بطولة النجم الصاعد بقوة خلال العامين الماضيين ريان قوزلن” – بطل فلم The notebook- والممثلة ميشيل ويلييمز – إم طفلة الراحل هيث ليدجرز الوحيدة.

الفيلم يعتمد على تقنية الفلاش باك في سرد قصة الحب بين الإثنين. وتطور علاقتهما من حملها من رجل آخر إلى إنقاذها على يد ريان وزواجه منها. ثم العيش في حياة رتيبة ومملة طيلة عشر سنوات الحدث الوحيد فيها هو ابنتهم. أعني أنهم وصلوا إلى مرحلة يعرف كلاهما أن زواجهم سينتهي أو إنتهى فعلاً، أهاليهم يعرفون لكن لا أحد يملك الشجاعة ليقولها.

 Falling in Love

لطالما كان تساؤل يقتلني كيف يموت الحب أو كيف ينتهي الزواج؟

شاهدت الفلم في دور السينما حين عرضه وشاهدته مرة أخرى حين صدر في أقراص دي في دي. بالمناسبة الفلم ليس مناسب لمن هم دون الثامنة عشرة. ولم يزل الأداء القوي الذي يمتعك به بطلي الفلم يحاصرني. ميشيل ترشحت للأوسكار وقوزلن ترشح للقولدن قلوبز. ميشيل بشخصيتها المعطوبة والباحثة عن الحب، الممرضة الأم التي تربي ابنتها وزوجها في نفس الوقت. وقوزلن بشخصية الفتى الساذج والمحبط الذي يستيقظ صباحاً على سيجارة وبيرة ويعمل صباغاً بعد أن توقف عن الرسم.

من مقابلة على إذاعة -NPR- صرحت ميشيل أن المخرج ديريك إشترط عليهم أن يقيموا في شقة صغيرة في إحدى ضواحي نيويورك وبمصروف يتناسب مع شخصياتهم في الفيلم وبدون أجهزة إلكترونية لمدة شهر ويفتعلوا المشاكل مع بعضهم البعض بأي شكل من الأشكال. حيث إنتقلوا بعد أن الإنتهاء من تصوير فترة الوقوع في الحب بثلاث أسابيع. المخرج هو نفسه الكاتب، قضى 12 سنة في كتابة الفلم في 67 مسودة. وحين تم التصوير طلب من البطلين أن يحسنوا على حوارهم. قازولين لم يمانع أبداً إلى درجة أنه أضاف مشهد كامل في الفلم. وهو مشهد جسر بروكلين عندما هدد حبيبته بالإنتحار.

الإخراج الفاتن وضع ديريك كيانفرانس في خارطة أكثر المخرجين الجدد المتوقع منهم الكثير. بالمناسبة لديه فيلم آخر في الطريق مع ريان قوزلن

دبدوب يبحث عن طفل في دانكن

20111129-074512.jpg

لقمان ديركي: الهجرة الأخيرة

سنهاجر من البلاد أيتها الأنظمة الجميلة
سنأخذ أطفالنا وآبائنا وأمهاتنا بعيداً عن مسقط الرأس
ولن نشعر بالحنين إلى شيء
سننسى رائحة ترابنا وبيوتنا
سننسى الشوارع التي كنا نتسكع فيها
سننسى قصص حبنا وصداقاتنا
سننسى الصفعات والإعتقالات الغريبة
سننسى الأغاني
والقصائد
ونمضي
سننسى نظراتكم الوقحة إلى نسائنا الجميلات
واضطراركم لحجزنا في السجون
سننسى بحثنا الفظيع عن الحرية
ولن تسقط دمعة منكم على رحيلنا
بل إنكم ستسعدون، ولكن فجأة ستعضون اصابعكم ندما لأنكم لم تحافظوا
علينا
فمن سيشتري منتجاتكم بعد الآن
من سيدخل إلى مطاعمكم
ومن سينام في فنادقكم
من سيستعمل خدمات هاتفكم
من سيتجول في حدائقكم
ومن سيحدث أصدقائه عبر موبايلكم
ويرسل رسائل التضامن إلى إخوته في الصمود
من سيرسل أبناءه إلى مدارسكم
ومن سيسبح في بحاركم
من سيصلي في مساجدكم وكنائسكم
من سيهتف في ملاعبكم
ويصمت في برلماناتكم
من سيشتري خبزكم
ويقف أمام زحام أفرانكم
من سيشترك في خدمات أنترنتكم
من سيقرأ جرائدكم
ويتفرج على تلفزيوناتكم
سننسى كل شيء
ولكننا سنتذكر فقط بأن الوطن لم يكن وطناً
كان مجرد سوبر ماركت كبير
وأننا فيه لم نكن مواطنين أبداً
وإنما مجرد زبائن 

آنية أمي

في الليلة التي انتحر فيها راعي القرية، كنتُ في طريقي إلى البيت؛ أُصفّر. هذا الفعل صعبٌ جداً. أعني أن تخرج ليلاً لتصفية ذهنك في قرية صغيرة كهذه. المشكلة في أهاليها، أنهم يقضون النهار في انتظار من يخرج للمشي ليلاً ليأكلوا لحم ظهره وربما النهار أيضًا. أهالي القُرى يعشقون الغيبة بشكل لافت، إنها الشيء الوحيد الذي يُجيدون فعله. أنا ابنهم وأعرفهم جيدًا، يبحثون عما يشوه سمعتك بأي طريقة ممكنة.

أتيته بالعشاء تلك الليلة. راعي القرية الآسيوي. كان هذا قُبيل الصلاة. كل حاجياته كانت منظمة ومرتبة وكما يجب أن تكون. لم يكن هناك شيء يوحي بما سيحدث لاحقًا. أشعلنا سيجارتين سوياً. أخبرني أن اللحظات الجميلة تنطلق عندما تُشعل لفافة تبغ. ولا يهم إذا كانت من النوع الممتاز أو الرديء لأن المهم هو نفخ رئتيك بأكبر كمية من النيكوتين ثم تقيء ماتظنه “هم اليوم”. إنها خدعة قديمة تحتال بها على عقلك. تهرب من الحياة إلى أعقاب السجائر ومن أعقاب السجائر تعود إلى الحياة.

كنّا ننفث شقاء يوم كامل في الهواء ونُصفّر لحناً هندياً قديماً. لم نتحدث عن شيء. الحديث شيءٌ كمالي لا حاجة إليه مع الرعاة. والحقيقة أن وجههُ الشبيه بالباذنجانة المهشمة لا يعطيكَ خيارات كثيرة لتحرك لسانك. ربما أن تقول له: أنت بخير؟ و أين ذهبت القطة؟ أية استطرادات أخرى لا يمكن أن تأتي إلى ذهنك. المتعة الوحيدة هي في اللعب مع قِطته الرمادية التي أفلتت من حملات الإبادة الوحشية على أيدي أطفال القرية.

عيناه مُبللتان بالدمع منذ أول مرة رأيته فيها. في الوهلة الأولى تعتقد أنه يبكي لكن بعد أن تعتاد على رؤيته، تعتاد على رؤية الدموع تجتمع في عينيّه وتبقى كأنها لاتمتلك خيار الإنسكاب. إنه شيء غريب جداً عندما تفكر في هذه الدموع. كان يُقلب سيجارة بين أصابعه ويضحك بشكل غريب. سألني سيجارةً أخرى وأخبرني أنه سيلحق بي للصلاة في مسجد القرية لكنه لم يأتِ وحقيقةً لم أكترث حينها إلا لصحن العشاء وسؤال أمي عنه. هنا تكمن المسألة، أغلى ما تملكه المرأة هي أواني المطبخ. أصرت أمي أن أعود إلى الراعي وآتي إليها بالصحن قبل أن يعيث فيها فسادًا. الداعي للسخرية أن العمالة الآسيوية في نظر أمي بعيدة كل البعد عن النظافة. ورغم هذا فهي ترضى أن يأكلوا في أوانيها!

الراعي كان يقيم في “عِشة” بناها بيديه العاريتين من بقايا الألواح والأخشاب المبعثرة في القرية. بناها في الجهة المقابلة لبيت أمي والمسجد. على بعد نصف ميل في العراء. لا أدري لماذا اختار هذا المكان بالتحديد. في الحقيقة إن “عشته” ليست مكاناً لائقاً ليعيش فيه رجلٌ أعزب شارف على بلوغ العقد الثالث من عُمره. لكن من يهتم كيف يعيش الراعي أو تحت أي مصيبة ينام طالما أن الأغنام ترعى جيدًا والحليب لاينقطع عن البيوت، ويعود الصحن اللعين إلى أمي.

في النهار كنتُ أعبر الشارع لأدخن وفي الليل لأسترجع الآواني التي ولغ فيها الراعي. تلك الليلة، تَبعتُ ضوء مصباح الجيب في العتمة وأنا أٌصفّر. المشكلة أنك حين تستخدم المصباح وضوءه الضعيف لا تنظر نحو الأعلى. عيناك لا تفارقان ضوء المصباح. في داخل العِشة، قدماه متدليتان في الهواء. هذا كان بمثابة الصدمة، أعني أن عينيّ اصطدمتا بظل رجليه بدون مقدمات. أعني هذا حرفيًا. ظلهما كان ممتداً حتى الباب في مشهدٍ مُرعب. أعني أنه لم يكن لدي متسع من الوقت لأتنبأ بهذه المصيبة وأستعد نفسيًّا لها. رفعتُ كشاف الضوء. في البداية تملكني الفضول لأرفع المصباح لكن الخوف استوقفني وعطل خلايا التفكير في رأسي. أعتقد أن التصفّير كان السبب الرئيسي في كل هذا، أمي كانت تحذرني من مغبة التصفير في العتمة. رفعت المصباح إلى الأعلى لأجد الراعي مشنوقًا مثل ما يفعله رعاة البقر بالخارجين على القانون، إنهم يشنقونهم من على أغصان الأشجار أو هكذا نشاهدهم عبر شاشة التلفاز. هذا أول ماخطر بذهني؛ أعني رعاة البقر.

الراعي استخدم أحد الحبال التي يربط بها الأغنام. حبلٌ من البلاستيك لونه أزرق. أعرفهُ جيداً، كنتُ ألفه حول رقاب نعاج جارنا “أبو عبدالله” في فجر كل خميس عندما نذهب لبيع الأغنام في السوق. ربط الحبل في سارية الِعشة ولفه حول رقبته. ربما لم تكن المرة الأولى التي جرب فيها أن يشنق نفسه لكنه كان ميتًا جدًا عندما رأيته. لسانه كان مُتدليّا من فمه. وعيناه شاخصتين نحو السقف. أعني أنني ذُهلت أول الأمر، ولم أعرف ماذا أفعل. عندما تشاهد رجلاً مشنوقاً لأول مرة لا تعرف ما الذي يمكن أن تفكر فيه. لم أفكر إلا بمغبة التصفّير في العتمة. لكن بعد ذلك عادت إلي الذاكرة. تذكرته قبل أربعة أشهر. كنتُ أحياناً أجلس إليه في ساعات الظهيرة بعد وجبة الغداء ونصفّر ألحان الأغاني الهندية سيجارة بعد سيجارة. هذه لغة التواصل بيننا في البدء. ثم أصبح بيننا إتفاق ضمني أن أعلمه اللغة العربية مقابل أن يعلمني فن التصفير.
ركضت نحو القرية وجمعت أكبر كمية من أهالي القرية ليشاهدوا بأعينهم الراعي معلقاً في سقف عِشته التي بناها بيديه النحيفتين. إن أردتم معرفة الحقيقة، كان ركضاً من أجل تبرئة نفسي. وعندما أتت الشرطة والإسعاف، كان لا شيء يمكن فعله. انتحر الرجل وأنهى كل مايمكن أن يحدث بحياته. لم يدخن لفافة التبغ بأكملها، لم يأكل وجبة العشاء ورماها للقطة أمام بوابة وكره الخشبي. لا أظنه كان يجد اللياقة الكافية والشهية المفتوحة للتدخين. وضع حاجياته في شنطته السوداء وفوقها وضع آنية أمي نظيفة

.

نشر في جريدة الحياة يوم الخميس 13 اكتوبر

Today’s Quote

The time to guard against corruption and tyranny is before they shall have gotten hold of us. It is better to keep the wolf out of the fold, than to trust to drawing his teeth and talons after he shall have entered. – Thomas Jefferson

أقرأ هذا الاسبوع

هدية جميلة. من صديقي العزيزي يحيى ال منصور. الاعمال الكاملة لشيخنا محمد الثبيتي عليه رحمة الله. ورواية لنسرق الخيول متعة حقيقية من دار الشيخ محمد بن راشد ال مكتوم.

Pink Martini

تكون في كرنفال وتفرح مثل طفل. ترقص وتغني وتلعب مع بقية الأطفال. تكون في الشاطيء، تحرك قدميك في البحر وتنظر بعيداً في الأفق. تكون في الريف، تحت ظل شجرة بصحبة الأشخاص الذين تحبهم ويحبونك. تكون في غرفتك تستمع إلى هذه الفرقة ولا تشعر بالوحدة أو القلق. تكون في أي مكان تضع السماعتين في أذنيك وأنت تعرف أن هذه الموسيقى واللحن والأداء سيجعلك ذكياً ومتحضراً أكثر.

هذه الفرقة أوكسترا بحد ذاتها. مؤسس الفرقة توماس لودردال – عازف البيانو – لم يخطر بباله أن يكون لهم هذه الشهرة الواسعة في أرجاء العالم. كانت فكرة تأسيس هذه الأوكسترا الصغيرة أتت إليه حين كان يشتغل في السياسة في أوائل التسعينات. بعدما ضاق ذرعًا من الفرق الموسيقية التي تعزف وتغني في حفلات جمع التبرعات للسياسيين التي تكون غالباً عالية الصوت ولا تحمل رقياً في الأداء وغير مناسبة لهكذا أجواء تكون في الأحاديث الجانبية والرقص في حلبة السياسية سمتها الأساس. أنشئ هذه الفرقة عام 1994 لتقدم مزيجاً من الجاز والأغاني الرومنسية بأكثر من لغة ومن كل أنحاء العالم. وتكون مناسبة لجميع الأطياف السياسية. لكن الألبوم الأول الذي صدر عام 1997م كان مفاجأة في عالم الموسيقى، الألبوم الذي إكتسح أوروبا قبل أمريكا، ليتحول تفكير توماس من السياسة إلى الفن.


كانت أول مرة أستمع للفرقة في بداية عام 2009م في مدينة بورتلاند الواقعة في ولاية أورقن. المدينة التي تكونت فيها الفرقة بأعضائها الثلاثة عشر. كانت زيارة سريعة، إقتصرت فيها على المكتبة المركزية في المدينة وكانوا هناك في حفل مُصغر يعزفون لمرتادي المكتبة. من الوهلة الأولى عرفت أنني سأكون على علاقة حميمية طويلة الأمد معهم. لأتبع حفلاتهم وألبوماتهم وكل مابتعلق بأخبار هذه الفرقة التي كل ماتحلم هي أن تكون الموسيقى جسراً بين الشعوب.

الألبوم القادم سيأتي في نهاية هذا الشهر، في الحقيقة ألبومين، الأول يتضمن أفضل أغانيهم بتسجيلات مختلفة والثاني سيكون تعاون بين الفرقة ومغنية اليابان الأولى “سوري يوكي” لقدموا أشهر الأغاني اليابانية وخمس أغاني من بقية أنحاء العالم.

هذه قائمة بأسماء ألبوماتهم السابقة

Joy to the World
Released in 2010

Splendor in the Grass
Released in 2009

Hey Eugene!
Released in 2007

Hang on Little Tomato
Released in 2004

Sympathique
Released in 1997


تغريدة تويتر

  • RT @MuseumModernArt: After 2 weeks of multiple health screens and asking everyone to quarantine, I surprised my closest inner circle with a… 3 days ago
  • The moon is wet 4 days ago
  • للتذكير هذه كلمة السيد عمران خان في الامم المتحدة عن الرسول عليه السلام twitter.com/imrankhanpti/s… 5 days ago
  • RT @salnasser: حديث يوم أمس، للفيلسوف الفرنسي المعروف بإلحاده ميشيل أونفري، حول ما يجري في فرنسا تجاه المسلمين، وكم هو محزن وغريب أن يكون ك… 6 days ago

رميتُ في الذاكرة

Blog Stats

  • 55٬300 hits